حيث إنّه حجّة بالمعنى الثاني لكونه قاطعاً للعذر ، وبرغم ذلك لا يصحّ معه الانتساب إلى الشارع ، وهكذا في مثل الشكّ في الشبهات البدويّة قبل الفحص ، فإنّه حجّة مع أنّه لا يصحّ الانتساب إليه ، وأيضاً في جعل الاحتياط في الشبهات البدويّة - كلّها أو بعضها - حجّة على الواقع ، مع أنّه لا يصحّ الانتساب إليه .
وفيه : النقوض كلّها مخدوشة :
أمّا أوّلًا : فإنّ النسبة بين جواز الإسناد والنسبة إلى الشارع ، وبين الحجّية هي العموم من وجه ، لإمكان النسبة إلى الشارع مع عدم كونه حجّة ، كما قد يصحّ تحقّق الحجّة ولا يصحّ الانتساب إليه كما في الحجج العقليّة ، وقد يجتمعان كما هو الغالب ، وهذا أمرٌ صحيحٌ غير مستنكر ، ولكن الشيخ رحمه الله لم يستدلّ بعدم جواز النسبة على عدم الحجّية ، حتّى يورد عليه بعدم وجود الملازمة بينهما ، بل ما التزم به الشيخ رحمه الله هو أنّ العمل بالظنّ على وجه التعبّد والتديّن به عملٌ محرّم ، سواءٌ أكان وجه حرمته من جهة عدم حجيّة الظنّ ، أو كان من جهة أنّه حجّة ، لكنّه لا يصحّ الانتساب إليه ، لشرطيّة وجود العلم في صحّة الانتساب وهنا مفقود .
وأمّا ثانياً : فإنّ النقض الأوّل غير واردٍ ، لأنّ الظنّ على الانسداد ليس بحجّة ، ولا يستند إليه تخويفٌ ولا تأمين ، بل هما مستندان إلى العلم الإجمالي الموجود في البين ، فإنّ هنا اموراً وهي من جهة إنّنا نعلم علماً إجماليّاً بوجود الأحكام ، ومن ناحية أخرى نعلم بأنّه لا يجوز الحكم بإيجاب الاحتياط لما يترتّب عليه المفسدة ، ومن ناحية ثالثة نعلم بأنّه لا يجوز فرض البالغ مهملًا غير مكلّف بشيء من الأحكام ، فمن مجموع هذه الأمور يستنتج العقل ويحكم بأنّ أقرب الطرق إلى الواقع هو العمل بمقتضى الظنّ ، فيكون الحجّة حينئذٍ هو العلم الإجمالي دون الظنّ .
لئالي الأصول — صفحة 329
مساهمون: السيد محمد علي العلوي الگرگاني
ص٣٢٩