بيان وقوع التعبّد بالظنّ
الجهة الثالثة : ولابدّ لنا قبل الشروع في ذكر أدلّة الوقوع ، بيان مقتضى الأصل عند الشكّ في الحجّية ، وليس المراد من الأصل هو خصوص الأصل العملي ، بل المراد منه القاعدة الأوّليّة المستفادة من حكم العقل أو العقلاء أو عمومات النقل .
ولابدّ قبل الخوض في المسألة من تقديم أمور ، ينفعنا في المقام :
الأمر الأوّل : لا يخفى أنّ للحجّة معنيين :
أحدهما : الحجّة المنطقي ، وهي ما تكون وسطاً في الإثبات ، وطريقاً إلى الواقع ، وما هو المتكرّر في الصغرى والكبرى ، ويُسمّى بالحدّ الوسط في المنطق كالمتغيّر المتكرّر في ناحية الصغرى والكبرى في المثال المعروف : ( العالم حادثٌ ) للتشكّل من قضيّتين وهما : ( العالم متغيّر / وكلُّ متغيّرٍ حادث ) ، ولذلك يطلق هذا المعنى على المعلومات التصديقيّة الموصلة إلى مجهولاتها .
وأمّا ما يطلق على الأمارات العقلائيّة أو الشرعيّة ، فإنّ إطلاق الحجّة عليها يكون من باب البرهان ، فيسمّى ذلك بالبرهان العقلائي أو الشرعي ، لا بما أنّها تقع وسطاً في طريق الإثبات .
وثانيهما : الحجّة الأصولي ، وهي عبارة عمّا يصحّ للمولى الاحتجاج به على العبد عند المخالفة ، وللعبد على المولى عند الموافقة ، وطلب الأجر إن قلنا بالاستحقاق ، أو التماس الأجر في صورة التفضّل والإحسان ، والحجّة بهذا المعنى يطلق عليها الغلبة على الخصم .