المقام الأوّل :
الكلام في مقام الثبوت
أقول : يستفاد امورٌ ثلاثة من كلمات القوم الذين ادّعوا استحالة تنزيل الظنّ مقام القطع ، إذا أريد منه التنزيل لكلّ من الظنّ مقام القطع والمظنون مقام المعلوم :
الأمر الأوّل : وهو الذي صدرَ عن صاحب « الكفاية » من أنّ تنزيل كلا الموردين بدليلٍ واحدٍ دالٍ على اعتبار الظنّ ، وإلغاء احتمال خلافه ، يوجب أمراً مستحيلًا وهو الجمع بين اللّحاظين المتنافيين ؛ أي اللّحاظ الآلي والاستقلالي ، حيث لابدّ في كلّ تنزيل من لحاظ المُنزّل والمنزّل عليه ، مع أنّ ملاحظة حجّية الظنّ وتنزيله منزلة القطع آلي طريقي ، وفي حال تنزيله منزلةَ القطع في دخله في الموضوع يعدّ استقلاليّاً موضوعيّاً ، والجمع بينهما مُحال ذاتاً .
ولكن يمكن أن يُجاب عنه أوّلًا : بما في « فوائد الأصول » من أنّ التنزيل لا يكون إلّالخصوص قيام الأمارة والظنّ مقام القطع ، أي يكون التنزيل في خصوص كاشفيّة الظنّ ومحرزيّته ، حيث يكون كاشفاً ناقصاً ، فبعد ورود الدليل يصبح كاشفاً تامّاً تعبّداً ، ولذلك قال رحمه الله : ( إنّا لا نقول بجواز التعبّد والجعل ، إلّافيما إذا كان الشيء المنزّل بنفسه كاشفاً ، وإلّا لما صحّ التنزيل ، فعلى هذا لا يستلزم التنزيل أمراً مستحيلًا لعدم وقوع التنزيل إلّافي شيء واحد ، بل التنزيل في المؤدّى غير معقول ، لا لأجل الجمع بين اللّحاظين ، بل لأنّ الواقع الذي يكون متعلّقاً لا يمكن تغييره ، إذ الحكم يتعلّق بما هو المؤدّى واقعاً ، ولا يمكن تعلّقه بغير