في قيام الأمارات مقام القطع وعدمه
البحث الثاني : يدور الكلام فيه حول أنّ الطرق والأمارات - كالبيّنة ، وخبر الثقة ، والإجماع المنقول - هل يصحّ قيامها مقام القطع بجميع أقسامه أم لا يصحّ مطلقاً . أم يصحّ في بعضها دون بعض ؟
أقول : بيان ذلك موقوفٌ على تقديم مقدّمة ، وهي : أنّ للقطع جهات ثلاث :
الجهة الأولى : كونه صفةً قائمة بنفس القاطع من حيث إنشاء النفس في صُقعها الداخلي صورةً على طبق ما في الخارج من ذي الصورة ، فالصورة القائمة في النفس تُسمّى بالمقطوع والمعلوم بالذّات ، ولمكان انطباقها على ذي الصورة الخارجيّة يطلق عليه المعلومُ بالعَرَض ، والصورة الأولى هي حقيقة العلم والمعلوم ، بلا فرق في ذلك بين كون العلم من مقولة الكيف أو الفعل أو الانفعال أو الإضافة - على اختلاف الوجوه والأقوال - لكونه على كلّ تقدير الصفة القائمة في النفس .
والجهة الثانية : هي إضافة الصورة إلى ذيها خارجاً ، لها جهةُ كشفٍ وحكايةٍ ومحرزيّة عن الواقع المعلوم المنكشف ، وهذه الجهة مترتّبة على الجهة الأولى ؛ لأنّ الإحراز يتحقّق بتوسّط الصورة القائمة في النفس .
والجهة الثالثة : هي جهة البناء والجَري العملي على وفق العلم ، حيث إنّ أثر العلم بوجود الأسد في الطريق هو الفرار عنه ، وبوجود الماء هو التوجّه إليه عند العطش .
أقول : إذا عرفت هذه الجهات الثلاث في المقدّمة ، فاعلم أنّه لا إشكال في أنّ الطرق والأمارات والأصول ، سواءٌ كانت محرزة أم غير محرزة لا تقوم مقام