وأمّا الكلام في البداء :
تعتقد الشيعة - كثّرهم اللَّه - بإمكان وقوع البداء في التكوينيّات ، وخالفهم في ذلك العامّة بما قد عرفت ، حيث يزعمون أنّ القول بجوازه مستلزم لنسبة الجهل إليه تعالى ، وبهذا الخرص والزعم افتروا على الشيعة بأنّهم ينسبون الجهل إلى اللَّه تعالى ، كما ترى ذلك من كلام الفخر الرازي في تفسيره الكبير حيث يقول ذيل قوله تعالى : « يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ » « 1 » :
( قالت الرافضة : البداء جائز مع اللَّه تعالى ، وهو أن يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده ) .
وهذا كما ترى كذب محض ينسبه الإماميّة التي وردت في أخبارها المرويّة عن الأئمّة عليهم السلام أنّ ( من زعم بأنّ اللَّه يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرؤوا منه ) ، وفي بعضها الآخر : ( فأمّا من قال باللَّه تعالى لا يعلم الشيء إلّابعد كونه فقد كفر وخرج عن التوحيد ) .
ومن ضروريّات العقل الفطري ، بل اتّفقت كلمة الإماميّة على أنّ اللَّه تبارك وتعالى لم يزل كان عالماً قبل أن يخلق الخلق كما أخبر بذلك الكتاب في قوله تعالى : « أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً » « 2 » والآيات بهذا المضمون كثيرة لو أردنا إيرادها لخرجنا عن الأسلوب المقصود في هذا الكتاب ، كما أنّ الأخبار قد وردت بحدّ التواتر على ذلك ، ومَن أرادها فليراجع الكتب المعدّة لذلك مثل كتاب « التوحيد » للصدوق و « الكافي » للشيخ الكليني وغيرهما .
هامش
( 1 ) سورة الجنّ : الآية 25 و 26 .
( 2 ) المحاضرات : ج 5 ص 335 .