المبحث الحادي عشر : في النسخ والبداء
إنّ النسخ له معنيان :
أحدهما : لغوي ، وهو بمعنى الإزالة ، ومنه ( نَسَخَتِ الشّمسُ الظلَّ ) أي أزالته .
والثاني : هو الاصطلاحي ، وهو عبارة عن رفع أمر ثابت في الشريعة المقدّسة بارتفاع أمده وزمانه ، بلا فرق بين أن يكون المنسوخ حكماً تكليفيّاً أو حكماً وضعيّاً .
أقول : ومنه يعلم أنّ ارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه ، لا يكون نسخاً ، إذ من الواضح أنّ ارتفاع الموضوع يرفع الحكم قطعاً نظير ارتفاع وجوب الصوم بارتفاع شهر رمضان ، وهذا ممّا لا كلام فيه .
وإنّما الكلام في إمكان ارتفاع الحكم عن موضوعه المفروض الوجود في عالم الجعل والتشريع ، والمعروف والمشهور بين المسلمين إمكانه ، وخالف في ذلك اليهود والنصارى ، فادّعوا استحالة ذلك ، واستندوا في ذلك إلى شُبهةٍ لا واقع لها أصلًا ، وحاصلها أنّ النسخ يستلزم أحد محذورين لا يمكن الالتزام بأيٍّ منهما :
إمّا القول بعدم حكمة الناسخ أو جهله بها ، وكلاهما مستحيل في حقّ اللَّه تبارك وتعالى .
والسبب فيه أنّ تشريع الأحكام عند أهل الحقّ لا يكون إلّابالمصالح والمفاسد ، فعلى هذا لا يمكن جعل الحكم جزافاً ، كما لا يمكن نسخه كذلك ، فحينئذٍ يقال : بأنّ الحكم المنسوخ لا يخلو من أن يكون مع بقاء الحال على ما هو