وهل يلغى المفهوم ، مثلًا إذا ورد : ( خلق اللَّه الماء طهوراً ) ، ثمّ ورد في دليل آخر بأنّ ( الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شيء ) فيصير مفهومه أنّه إذا لم يبلغ الكرّ ينجّسه النجس ، فهل لهذا المفهوم المستفاد من الجملة الثانية القدرة على تخصيص عموم الجملة الأولى أم لا ؟ فيه خلاف بين الأعلام .
القول الأوّل : إنّه يقدّم العموم على المفهوم ، باعتبار أنّ دلالة العام على العموم تكون بدلالة وضعيّة أصليّة ذاتيّة ، بخلاف المفهوم حيث تكون دلالته دلالة عقليّة تبعيّة .
أو يُقال بأنّ دلالة العام على العموم كانت بالدلالة المطابقيّة بخلاف دلالة المنطوق على المفهوم حيث تكون بدلالة التزاميّة لفظيّة أو عقليّة ، فبالطبع تكون الدلالة الأصليّة الذاتيّة والدلالة المطابقة مقدّمة على رقيبهما .
فأجيب عنه : بأنّ دلالة اللّفظ على المفهوم لا تخلو إمّا أن تكون مستندة إلى الوضع أو إلى مقدّمات الحكمة والإطلاق ، والمفروض أنّ دلالة العام على العموم أيضاً لا تخلو من إحدى هذين الأمرين ، يعني الوضع أو مقدّمات الحكمة ، فلا وجه لتقديم أحدهما وهو العموم على المفهوم ، هذا .
أقول : ولكن الإنصاف عدم تماميّة هذا الجواب ، لأنّ الخصم ربما يقبل كون الدلالة في كلّ من العام والمفهوم مستندة إلى الوضع ، فمع ذلك يدّعي تقديم الدلالة الأصليّة الوضعيّة على الدلالة الوضعيّة التبعيّة بالطبع ، فلا وجه لما ذكره المحقّق الخوئي في « المحاضرات » « 1 » بقوله : ( فبالنتيجة أنّه لم يظهر لنا معنى محصّل لذلك ) .
هذا فضلًا عن أنّه يمكن إيراد إشكال آخر عليه من أنّه لو كان العموم
هامش
( 1 ) فرائد الأصول : ص 65 - 66 . الطبعة الحجريّة .