حتميّة في نفس المولى ، ومن المعلوم أنّ الأمور الانتزاعيّة والاعتباريّة لا تعدّ من الأمور الحقيقيّة المشتملة على المراتب المتفاوتة الواقعيّة ، بحيث إذا زالت مرتبة من مراتبها بقيت مرتبة أخرى كالأعراض الحقيقيّة من الألوان ، حتّى يقال إنّ بقاء المرتبة الأخرى لا يحتاج إلى دليل آخر يثبتها ، بل يكفي فيه عدم ثبوت دليل على ارتفاعه . والبعث أمر وجداني يقع في الخارج من خلال القول أو الإشارة وأمثال ذلك ، وليس هو من المقولات المشكّكة ، بل قد عرفت أنّ منشأه الإرادة الموجودة المظهرة بذلك ، فإذا وقع وصدر البعث عن المولى ، انتزع منه العقلاء كون هذا الشيء المبعوث إليه هو المطلوب ، وأنّه لا يجوز تركه ، إلّاأن يستفاد من الخارج جواز تركه ، فليس لنا هاهنا جنس من الإذن والرجحان ، حتّى يفرض له فصلٌ من المنع من الترك أو الجواز ، ليُقال : إذا ذهب عنه فصل هل يقوم مقامه فصلٌ آخر دالّ على الاستحباب أم لا ؟
نعم ، ما كان في الخارج موجوداً وله عينيّة خارجيّة ، هو الإرادة الحتميّة التي كان البعث مظهراً لها ، فبعد نفي هذه الحقيقة بسبب النسخ ، لا معنى للقول بوجود إرادة أخرى ضعيفة مقامها ؛ لأنّها وجود آخر لابدّ له من دالّ آخر يدلّ عليه والمفروض انتفائه .
وثانياً : أنّ ما قاله من المراتب في الوجوب ، إنّما يصحّ لو قلنا بأنّ النسخ عبارة عن رفع حكم الوجوب بما كان مقتضاه بقائه لولاه .
وأمّا لو قلنا بأنّ النسخ عبارة عن الدفع ، أي انتهاء أَمَدَه بأن يكون حكم المنسوخ من أوّل الأمر مغيّاً بهذه الغاية ، فعليه لا يكون حينئذٍ له جنس وفصل ، لعدم اقتضاء له حينئذٍ بالدوام والاستمرار .
لئالي الأصول — صفحة 385
مساهمون: السيد محمد علي العلوي الگرگاني
ص٣٨٥