فحيث يكون الفعل متعلّقاً للإرادة التكوينيّة ، فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان .
ثمّ استشكل على نفسه أوّلًا : بأنّه إذا كان الكفر والعصيان والطاعة والإيمان بإرادته تعالى التكوينيّة بسبب عدم تخلّف المراد عن الإرادة فيها ، فعليه كيف يصحّ التكليف المشروط بالاختيار ، حتّى يصحّ العقوبة ويستحقّها لدى المخالفة ، أو الثواب عند الموافقة لخروجها بذلك عن الاختيار ؟
فأجاب : بأنّ إرادته تعالى لم تتعلّق بصرف صدور الفعل عن المكلّف ، بل تعلّقت بصدورها عنه مسبوقاً بإرادته ، فما أراد منه بالإرادة التكوينيّة للَّهتعالى هو أن يريد ويفعل مع إرادته لا الفعل بلا إرادته ، وإلّا لزم تخلّف المراد عن الإرادة في إرادة اللَّه ، كما لا يخفى للمتأمِّل .
ثمّ استشكل على نفسه ثانياً : بأنّه وإن كان صدور الفعل منه مسبوقاً بإرادته واختياره ، إلّاأنّها منتهية بالأخرة إلى إرادته تعالى ، وإلّا لو كانت بإرادته أيضاً لزم التسلسل ، فخرجت من كونها اختياريّة ، فلا تصحّ المؤاخذة عليه .
فأجاب عنه : بأنّ المؤاخذة تعدّ من تبعات الكفر والعصيان المسبوقين بالاختيار الناشئ من مقدّماته الناشئة من الشقاوة الذاتية ، واستدلّ على ذلك بالخبرين المشهورين عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بأنّ :
( السعيد سعيدٌ في بطن امّه ، والشقيّ شقيّ في بطن امّه ) « 1 » .
وقوله صلى الله عليه وآله : ( إنّ الناس معادنٌ كمعادن الذهب والفضّة ) « 2 » .
هامش
( 1 ) توحيد الصدوق الباب 58 الحديث 3 ، باب السعادة والشقاء .
( 2 ) سفينة البحار : ج 2 مادّة عدن .