وأمّا احتمال كون الأمر حقيقة في الندب ومجازاً في الوجوب ، فلم يذهب إليه أحد من الأعلام .
أقول : والأقوى عندنا هو الأوّل ، ولا يخفى عليك أنّ الاصوليّين كلّهم متّفقون على كون الطلب الوجوبي هو المتبادر من لفظ الأمر ، غاية الأمر كان الخلاف بينهم في منشأ هذا التبادر :
وهل يكون بالوضع كما هو المدّعى .
أو يكون بالغلبة في الاستعمال كما احتمله بعض ، كما ذكره صاحب « المعالم » .
أو يكون من باب الإطلاق المقامي ومن مقدّمات الحكمة كما ذكره المحقّق العراقي والبجنوردي ، أو يكون من طريق حكم العقل وهو كما عليه صاحب « المحاضرات » .
والدليل على الوجه المختار : أنّه إذا سلّم كون التبادر علامة للحقيقة بحسب حال الوضع ، كما كان كذلك في غير ما نحن فيه ، وسلّمنا كون الطلب الوجوبي هو المتبادر فقط من لفظ الأمر دون الندب ، وقد استعمل هذا اللّفظ الذي فرض تبادر الوجوب منه في الآيات والروايات فيه أيضاً ، نظير آية وجوب الحَذَر عن مخالفة الأمر في قوله تعالى : « فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ » « 1 » الآية ، حيث أنّ الأمر الذي لا حذر في مخالفته لا يعدّ أمراً ، فيفهم كون الأمر فيه مستعملًا في الوجوب .
وآية التوبيخ لترك السجدة عند أمره تعالى لإبليس بالسجدة لآدم كما في قوله تعالى : « مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ » « 2 » . ومن المعلوم عدم تعلّق توبيخ
هامش
( 1 ) سورة النور : الآية 63 .
( 2 ) سورة الأعراف : الآية 12 .