كيف لنا أن نتيقّن أنّ هذا المعنى المنسبق إلى الذهن هو المعنى الوضعي المنصوص عليه ، إذ لعلّ الانسباق كان من جهة كثرة الاستعمال كما هو الحال في مثل الصلاة .
ودعوى : أنّ قيام الملازمة بين اللّفظ والمعنى بحيث إذا سمع اللّفظ انتقل إلى معناه ، يكفي في أن نعدّه وضعاً ولو كان حاصلًا من كثرة الاستعمال .
مدفوعة : بأنّا لا نسلّم كون الانس الحاصل على هذا النحو يطلق عليه الوضع ، لوضوح أنّ الوضع فعل اختياري مستند إلى الفاعل والواضع ، لا ما يكون استعماله في المعنى في الأوّل على نحو المجاز ، ثمّ نتيجة لكثرة الاستعمال انقلب وصار بمنزلة الحقيقة ووضعاً تعيينيّاً .
تقريب الجواب عن هذا الإشكال : بأن يُقال إنّ الوضع الصادر عن الواضع حيث يكون فعلًا اختياريّاً عنه ، ومتعلّقاً لغرض عقلائي ، عبارة عن محاولة تفهيم المقاصد بمعونة الألفاظ المفهمة للمعاني المقصودة ، كما أنّه أيضاً لا إشكال في أنّ الوضع ينبغي أن لا يختصّ بالأمور الشخصيّة بل يجب أن يكون لأجل إفهام المقاصد التي يقصدها الواضع وغيره من العقلاء ، وبالتالي فلابدّ من ملاحظة هاتين الجهتين وإبلاغ الوضع المراد إلى الناس والعقلاء المعاصرين للواضع ، كي يشتهر بين الناس ويتداولونه بينهم في محاوراتهم اليوميّة وإبراز مقاصدهم الاجتماعيّة ، وقد يكون ذلك من خلال ما نشاهده من قيام شخصيّة معروفة بإلقاء خطاب يتضمّن لفظاً يقصد به معناً خاصّاً ، فيشتهر بين الناس تبعاً له لأنّه شخصيّة له مكانة مرموقة بين الناس والمجتمع ، وهكذا يكون الأمر في جعل مصطلحات العلوم عند الناس ، حيث يتمّ من خلال جاعلها والاستناد الذي يستند إليه ذلك الاصطلاح ، فإذا كان الأمر في ابتداء حدوثه كذلك ، فإنّه يصل هذا الأمر يداً بيد
لئالي الأصول — صفحة 159
مساهمون: السيد محمد علي العلوي الگرگاني
ص١٥٩