العلامة الأولى : والذي يعدّ ثابتاً عند جميع علماء الأدب والأصول من المتقدِّمين والمتأخّرين وهو التبادر ، وهو عبارة عن انسباق المعنى إلى ذهن السامع من نفس اللّفظ وحّاقه ، حيث يعدّ دليلًا على كونه حقيقة فيه ، إذ لولا وضعه له لما صحّ الانسباق منه ، كما ترى ذلك في لفظ ( الأسد ) المنسبق منه الحيوان المفترس دون الرجل الشجاع ، برغم عدم وجود قرينة مقاميّة أو مقاليّة ، فهذا الانسباق يتمّ بمعونة القرينة ودون دلالة الإطلاق أو مقدّمات الحكمة حيث لا تفيدان المعنى الحقيقي ، فعلى هذا دلالة صيغة الأمر على الوجوب التعييني لا التخييري ، والنفسي لا الغيري ، والعيني لا الكفائي لا تكون حقيقة ؛ لكونها بواسطة الإطلاق ومقدّمات الحكمة دون الدلالة اللّفظيّة لصيغة الأمر عليهما كما هو واضح ، هذا .
وقد نوقش في دلالة التبادر بعدّة مناقشات ، وهي :
المناقشة الأولى : إنّ تبادر المعنى من اللّفظ بنفسه دون غيره ، إنّما يصحّ فيما إذا كان المتبادر له يعلم كون اللّفظ موضوعاً للمعنى ، لأنّه إذا كان جاهلًا بأصل الوضع كيف يمكن أن يتبادر له المعنى من اللّفظ ، إذ من الواضح أنّ الجاهل بأوضاع لغة ولسان من الألسنة المتداولة بين البشر لما أمكن له حصول تبادر المعنى من اللّفظ حتّى يقال إنّه حقيقة فيه ، فلابدّ من علمه بوضعه قبل الاستعمال ، إذ لولاه كيف يمكن جعل التبادر علّة ومقتضياً للعلم بالوضع حيث يلزم الدور ، أو يلزم الأمر المحال ؛ لأنّ التبادر إذا عدّ علّة لحصول العلم بالوضع ، لابدّ أن يكون مقدَّماً ، وبما أنّه محصّل للعلم بالوضع ومعلول منه ، لابدّ أن يكون متأخّراً ، فيلزم تقدّم ما هو متأخّر وبالعكس ، وهو محال .
لئالي الأصول — صفحة 154
مساهمون: السيد محمد علي العلوي الگرگاني
ص١٥٤