الوافي بعد ما قاله هذان المحدّثان وقال أهل الحكمة من عرف اللّه جلّ جلاله لا بالاستشهاد من الخلق عليه بل انّما عرفه بالنظر إلى حقيقة الوجود بما هو وجود وانّه لا بدّ ان يكون قائما بذاته أو مستندا إلى من يقوم بذاته فقد عرف اللّه باللّه ثم قال أقول امّا تفسير الكليني ره ففيه اجمال واهمال ولا يوضح المطلوب حقّ الايضاح وامّا تفسير الصّدوق وطاب ثراه فهو يعطى انحصار طريق معرفة اللّه سبحانه في معرفته عزّ وجلّ وهو خلاف ظاهر الحديث فانّ ظاهر الحديث يعطى انّ لها طريقا آخر غير هذا الّا انّ هذا هو الأولى والأرجح والأصوب وامّا قول الحكماء فهو راجع إلى اثبات ذاته عزّ وجلّ بذاته لا معرفته بذاته وفرق بين اثبات الشئ ومعرفته وليس الكلام هاهنا في اثباته سبحانه بل في معرفته فانّهم يعدّون ثبوته بديهيا فطريا كما أشير اليه بقوله عزّ وجلّ
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
ونبّه على ذلك في غير موضع من كتابه عزّ وجلّ مثل قول
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
وقوله حكاية عن الخليل ع بقول هذا ربّى وبقوله حكاية عن فرعون بقول وما ربّ العالمين فانّ في أمثال هذه الآيات دلالة على انّ وجود الربّ امر ثابت وانّما الكلام في تعيينه ونعته فهم لا يطلبون الّا معرفته ولا يشكّون في وجوده كما قال اللّه أفي اللّه شكّ فاطر السّماوات والأرض
[ فيه معنى الحديث على زعم صاحب بعضهم ]
فإن قيل فما معنى الحديث إذا فنقول ومن اللّه التّاييد كما انّ لكلّ شيء ماهيّة هو بها هو وهي وجهه الذي إلى ذاته كذلك لكلّ شيء حقيقة محيطة به بها قوام ذاته وبها ظهور آثاره وصفاته وبها حوله عمّا يرويه ويضرّه وقوته على ما ينفعه ويسّره وهي وجهه الذي إلى اللّه سبحانه وإليها أشير بقوله عزّ وجلّ واللّه
بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
وبقوله سبحانه
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
وبقوله تعالى وهو
أَقْرَبُ
اليه
مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
وبقوله عزّ اسمه
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ
وبقوله
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
فانّ تلك الحقيقة هي التي تبقى بعد فناء الأشياء فقوله ع اعرفوا اللّه باللّه انظروا في الأشياء إلى وجوهها التي إلى اللّه سبحانه بعد ما أثبتّم انّ لها ربّا صانعا فاطلبوا معرفته بآثاره فيها من حيث تدبيره لها واحاطته بها وقهره عليها وقيوميّته إياها وتسخيره لها حتّى تعرفوا اللّه لهذه الصّفات القائمة به ولا تنظروا إلى وجوهها التي إلى أنفسها اعني من حيث انّها أشياء لها ماهيّات لا يمكن ان يوجد بذواتها بل مفتقرة إلى موجد يوجدها فإنكم إذا نظرتم إليها من هذه الجهة تكونوا قد عرفتم اللّه بالأشياء فلن تعرفوه إذا حق المعرفة فانّ معرفة مجرّد كون الشئ مفتقرا اليه في وجود الأشياء ليست بمعرفة في الحقيقة على انّ ذلك غير محتاج اليه لما عرفت انّها فطرية بخلاف النظر الاوّل فإنكم تنظرون في الأشياء اوّلا إلى اللّه عزّ وجلّ وآثاره من حيث هي آثاره ثم إلى