شرح
لكن الصحيح : انّه لا يجوز للمكره اضرار الغير ، لأن مقتضى القاعدة والعمومات حرمة ايذاء المؤمن واضراره والتصرف في ماله بدون رضاه ، وليس لها مخصص إلّا الأدلة الحاكمة ولا يجري شيء منها ، أمّا حديث لا ضرر فلما عرفت من ثبوت حكم ضرري لا محالة ، وحديث نفي الاكراه لا يجري لأنّه خلاف الامتنان بالنسبة إلى من يوقعه المكره - بالكسر - في الضرر وإن كان موافقا للامتنان بالنسبة إلى المكره - بالفتح - وبعبارة أخرى : كما كانت حرمة الاضرار على المكره ضرر عليه كذلك جواز الاضرار ضرر على من يقع عليه الضرر ولا ترجيح في البين . وببيان أوضح الغرض من تشريع نفي الاكراه انما هو دفع الضرر ، فإذا كان مستلزما لضرر كان جعله منافيا للغرض ، وهكذا حديث لا حرج فإنه أيضا وارد مورد الامتنان فلا يمكن أن يقال إن حرمة الاضرار بالغير بتضرر نفسه حرج فترتفع بلا حرج .
وأما ما يظهر من المصنف رحمه اللّه من أن الضرر في الاكراه متوجه ابتداء إلى الغير ، وما يأخذه الجائر من المكره بتوعيده كأنه غرامة لترك الاضرار ، ولا يجب على المكلف أن يدفع الضرر عن غيره بصرفه إلى نفسه ، وليس ملاك نفي الاكراه إلّا نفي الضرر المتوجه إلى المكره لا الضرر المتوجه إلى الغير لتقع المعارضة بين الضررين ، كما أن الامتنان الملحوظ فيه انما هو الامتنان في دفع توجه الضرر من المكره إلى المكره لا رفع الضرر الثابت بثبوت مقتضيه وهو إرادة المكره - بالكسر - وصرفه إلى شخص آخر ، ممنوع صغرى في بعض الأمثلة وهو إذا لم يكن الضرر الموعود به غرامة كما إذا كانا من سنخ واحد ، وكبرى في جميع الأمثلة .
أما الصغرى فلأن الاكراه في مثل الفرع متوجه إلى الجامع وإن كان اللفظ موهما خلافه ، فكأن الجائر يريد منه عشرة دنانير سواء أداها من كيسه أو أخذها من غيره