ومن جهة أُخرى ، فإنّه يظهر لكل مطّلع على كتبهم الرجالية سعة تحقيقاتهم في التعرّف على أحوال الرجال ، وأنّهم أشدّ من غيرهم بكثير في الاعتماد على الممدوحين بالوثاقة والعدالة ، كما يظهر لكل باحث في كتبهم الفقهية شدة تورّعهم في الفتيا واحتياطهم في استنباط الأحكام وملاحظة خصوصيات الأحاديث من السند والمتن وموافقتها الكُتّاب ، واجتنابهم الشديد عن القول بغير علم ، واستنادهم في الجرح والتعديل ومعرفة رجال الحديث إلى أقوال أكابر علمائهم الذين لم يقدح فيهم قادح ، واتفقت الكلمة على جلالة قدرهم وصدقهم وورعهم .
وأما الرجاليون من إخواننا أهل السنة وإن كان فضلهم أيضاً لا ينكر في المسائل الرجالية لأنّ لهم في هذا العلم دراسات لا يستغني الباحث في الرجال والحديث عنها ، غير أنّ بعض علمائهم في الجرح والتعديل مطعون عندهم بشيء من الهوى والحسد والعداوة والتدليس وغيرها ، حتى أنّ ابن معين يتّهم أحمد بن حنبل بالكذب « 1 » .
وذكر الشيخ الصالح المقبلي في كتابه ( العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشائخ ) أنّ أحمد لما تكلّم في مسألة خلق القرآن وابتلي بسببها جعلها عديل التوحيد أو زاد ، حتى أنّه بلغه أنّ محمد بن هارون قال لإسماعيل بن علية :
يا بن الفاعلة ! قلت القرآن مخلوق أو نحو هذه العبارة . قال أحمد : لعلّ الله يغفر له يعني محمد بن هارون ، وكان إسماعيل بن علية أحق أن يرجو له أحمد . . . إلخ « 2 » .
هامش
( 1 ) تهذيب التهذيب 347 / 7 .
( 2 ) أضواء على السنة المحمدية ص 290 .