وعلى كل حال احتمال كون اتهام الوزير العلقمي بالمواضعة مع هلاكو من مختلقات المتعصّبين « 1 » وأعداء الشيعة قريب جداً لا يدفعه شيء ، وإسناد
هامش
( 1 ) والذي ظهر لي بعد الفحص الكثير في التواريخ سيما التواريخ المؤلفة في القرن السابع الهجريالذي وقعت فيه هذه الفاجعة ككتاب : مختصر تاريخ الدول ، والحوادث الجامعة ، وجامع التواريخ ، ورسالة كتبها الخواجة نصير الدين في شرح هذه الحادثة التي ينبغي أن تُعدّ من أوثق المصادر بل أوثقها في هذه الواقعة أن نسبة المؤامرة إلى الوزير مع هلاكو إنّما صدرت من حسّاده وأعدائه ، كالدويدار الصغير وأتباعه ممن يريدون الاستبداد بالأُمور ، فألقوا في الألسنة والأفواه مؤامرة الوزير واتهموه بالخيانة لا لأنه شيعي والدويدار سني ، بل لأنّ الوزير كان واقفاً قبال نواياهم ويمنعهم من الاستيلاء على الأُمور والاستبداد ، ولذلك لم ير الدويدار والشرابي بعد وفاة المستنصر تقليد الخفاجي الأمر ، وهو الذي كان فيه شهامة وشجاعة زائدة ، وكان يقول : لئن ولّيت لأعبرنّ بالعسكر نهر جيحون ، وآخذ البلاد من أيدي التتار وأستأصلهم ، فآثروا المستعصم للينه وانقياده ليكون لهم الأمر ( تاريخ الخلفاء : ص 306 و 308 ) ولم يقنع الدويدار بذلك حتى عمل على خلع المستعصم ، والمبايعة لولده ( تاريخ ابن الفوطي : ص 249 ) .
ويظهر من التواريخ أن الخليفة الضعيف المستضعف كان عاجزاً عن دفع أمثال الدويدار وقطع أيديهم عن الأعمال ، وكان الدويدار لا يعتني بمقام الوزير ولم يكن للوزير مع الدويدار وأتباعه كثير تمكّن في تمشية الأُمور ، وإنفاذ تدبيراته الحكيمة ، والمترجّح في النظر أنّه لم يرد أحد من هؤلاء الأُمراء لا ابن العلقمي ولا الدويدار ولا غيرهم تغلّب التتار على بغداد ، ولكنهم تركوا الحزم ولم يَدَعوا قبال هذه الحادثة العظمى اختلافاتهم ، فمنع الدويدار الصغير الخليفة عن العمل برأي الوزير واتهمه تارة بالخيانة وأُخرى بالحمق والسفاهة ، وقال : لحيته طويلة ، لأنّه يرى أنّ تدبير الوزير لدفع شر التتار لو نجح لصار سبباً لزيادة تقربه إلى الخليفة .
وخلاصة الكلام : أن المتتبّع في كتب التواريخ يعرف أن ما أشار الوزير على الخليفة كان عين المصلحة ، وأدى به النصيحة ، ولو عمل بها لما وقعت هذه المذبحة العامة ، وربّما لا يجد في مثل تاريخ ( مختصر تاريخ الدول ) لابن العربي ( ت : 1286 م ) ورسالة الخواجة التي كتبها في شرح هذه الواقعة وتاريخ ابن الفوطي ( ت : 723 ه ) وجامع التواريخ لرشيد الدين فضل اللَّه الوزير ( من أعلام القرن السابع وأوائل القرن الثامن ) من المصادر والكتب التي أُلّفت في القرن الذي وقعت فيه هذه الحادثة ذكراً ولا أثراً من مؤامرة ، فلا حقيقة تحت هذه النسبة إلّاإذا أخذنا بقول بعض الكتاب ( الكذبة إذا شاعت أصبحت حقيقة ) .
إذن فلا ينبغي لمسلم أن يتهم غيره بمجرد المزاعم والنقول التي لا سند لها ولا يعتمد عليها .
هذا ما ظهر لي بعد التتبّع والتأمل التام . وأشهد اللَّه تعالى أنّي لا أقول ما أقول في ذلك لأنّ ابن العلقمي كان شيعياً ، فليس قصدي إلّانشدان الواقع والحقيقة ، وتطهير النفوس عن البغضاء والشحناء ولا قوة إلّاباللَّه .