تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لمحات في الكتاب والحديث والمذهب — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
وبالجملة : فلايعقل إرادة الانبعاث الجدية والطلب الحقيقي ممّن يعلم أنّه لا ينبعث بأمر المولى ، فلايعقل أن يقول : « قم » أو « لاتزن » أو « لا تشرب الخمر » وطلب القيام وترك الزنا وترك الخمر بالإرادة الجدّية ممّن يعلم أنّه لا ينبعث بهذا الأمر ولا يأتمر به ، ولاينزجر عن الزنا وشرب الخمر ، ولاينتهي بنهيه عنهما حتى لو كان المولى من الموالي العرفيين ، ولم يعلم ذلك من العبد ، واحتمل في حقّه تأثير أمره فيه وانبعاثه به ، وتحريكه نحو الفعل ، لاتتأتى منه الإرادة الجدية بمجرد ذلك الاحتمال ، بل إنّما يأمر وينهى برجاء انبعاث عبده أو انتهائه . والحاصل : أنّه لا يعقل تعلّق الإرادة الجدّية والطلب الحقيقي بصدور فعل عمّن يعلم المريد أنّه لا يفعله ، والأمر أو النهي في هذه الصورة لا يكون إلّا صورياً . أيإنشاء الأمر لا لغاية الانبعاث ، بل لإتمام الحجّة . وما ذكرناه يستفاد من كثير من الآيات القرآنية الكريمة ، كقوله تعالى [ ليُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ القَولُ عَلَى الكَافرينَ ] « 1 » . وقوله تعالى : [ إنّما تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأجْرٍ كَرِيمٍ ] « 2 » . وقوله تعالى جِدّه : [ رُسُلًا مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ لِئَلّا يَكونَ لِلنّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عزيزاً حكيماً ] « 3 » .
هامش
( 1 ) يس : الآية 70 . ( 2 ) يس : الآية 11 . ( 3 ) النساء : الآية 156 .