لكن الحسين عليه السلام لم يكن طامعاً في الملك ، ولم تكن مقاصده سياسية « 1 » ولم يكن ممن يستخف بالمقدسات والشعائر الإلهية .
إنَّ أوَّل شعارٍ للحسين عليه السلام هو الاعتراض على بني اميّة لهتكهم الحرمات والشعائر المقدسة والاحكام الإلهية ، فكيف يرضى لنفسه ان يتسبب في هتك بني اميّة لتلك الحرمات وإراقة الدماء في الحرم المكي الآمن ؟ !
لقد كان الحسين عليه السلام عارفاً بان اعلان ثورته في مكة لن يُثمِرَ إلّا هتك حرمة البيت وهدم الكعبة وإساءة الأدب إلى عامة المشاهد الشريفة في مكة . وهذه النظرة الصائبة الثاقبة للحسين عليه السلام اتضح صحتها فيما بعد ، إبّان حركة عبد اللَّه بن الزبير . ومن ثمَّ أبى الحسين عليه السلام ان يتخذ من مكة مقراً ومركزاً لثورته .
وكان بامكان الحسين عليه السلام ايضاً ان يبقى في مكة ولا يبايع يزيد ، ويسكت على مساوي بني اميّة ، وهذا ما اقترحه عليه عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عباس وبعض الصحابة ، ظناً منهم ان لا أحد يتجزأ على التعرض للحسين عليه السلام في الحرم الأمن .
هامش
( 1 ) لا يُتَوَهم اننا نرفض اشتراك أولياء اللَّه والمؤمنين في السياسة وممارسة العمل السياسي واعتزال الساحة والاحداث وعدم الاكتراث بمصالح الأمة الاسلامية ، اذْ انَّ ذلك لا يتناسب مع روح الإسلام ، فان الإسلام حتى في احكام العبادات كالصلاة والحج والصوم والشعائر الدينية الأخرى ، يهدف إلى إشاعة روح الألفة والوحدة والتعاضد من اجل مواجهة ومقارعة الظلم والفساد والقضاء على الباطل وأهله واظهار عظمة الإسلام والمسلمين ، ولم يكن الإسلام يوماً ما دين صوامع وبيع وتصوف بعيداً عن النظام والحكم والإدارة ، وانما غرضنا من قولنا ان الحسين عليه السلام لم يكن له مقاصد سياسية هو ان الحسين عليه السلام لم يكن يهدف اساساً الحكم والتسلط على الناس والحصول على المقام والمنال ، فلقد كان عارفاً منذ البداية بأنه لم يتمكن من القضاء على بني اميّة .