جيم : الهجرة من مكّة
إنَّ طلّاب الحكم والسياسيين ، لا يتورعون عن التحصن في الأماكن المقدسة والمشاهد المحترمة عند المسلمين ، بل يستغلّون كل المواقع التي تحظى بتقديس واحترام الناس للتخندق والتمترس بها ، فان ذلك يُحرج العدو ويردعه عن الهجوم أو على الأقل يتسبب له بالملامة من قبل المسلمين ، إذ ان هتك حرمة هذه المواقع يُثير غضبَ واستياء عامة الناس ، وإنْ أراد أنْ يحفظ حرمة تلك الأماكن ، اضطر إلى اهمال خصمه وتحمل الضربات منه .
وكان بإمكان الإمام الحسين عليه السلام أن يختار أقدس بقعة عند الأمة الاسلامية ، وأكثرها امناً وهو بيت اللَّه الحرام ومكة المعظمة والمسجد الشريف ، ذلك المكان الذي وصفه عز وجل في كتابه الكريم : « مَن دَخَلَهُ كانَ آمناً » وهو المكان الذي كان العرب في الجاهلية يكنّون له الاحترام أيضاً ويرعون حرمته على الرغم من وحشيتهم وسلوكهم العدائي مع بعضهم البعض ، فلم يُعهد عنهم حمل السلاح في ذلك الموقع الشريف . ولا شكَّ في انَّ هذه المكان كان من أفضل الأماكن التي يمكن للحسين عليه السلام اختياره كمقر لإدارة حركته ودعوته ضد بني أميّة وتحشيد الحشود للانقضاض عليهم ، وما كان أسهل من أن ينقلب الحسين عليه السلام ومن معه على والي مكة الأموي والسيطرة على مكة واعتمادها عاصمة لثورته ودعوة باقي المدن للالتحاق بنهضته ، ولكنه كان يعلم أنَّ عاقبة ذلك هو هجوم جيش بني اميّة على الكعبة الشريفة ومحاصرة مكة وهدم بيت اللَّه الحرام وإبادة المسلمين في الحرم الأمن كما فعل يزيد في واقعة الحرة وحربه ضد عبد اللَّه بن الزبيرفي مكّة .