وهذه التربية تصحح الرواية الأدبية القائلة بأن يزيد أراد كعب بن جُعَيل على هجاء الأنصار ، فاستأبى عليه تأثُّماً لمقامهم الديني ودله على الأخطل التغلبي الشاعر النصراني ، ومن ثم اطَّردت الصداقة بينهما . ونحن نشك في صحة هذه الرواية ونعزو الاتصال بينهما إلى مكان التربية عند يزيد ، فقد كان يتزيَّد في تقريب المسيحيين ويستكثر منهم في بطانته الخاصة ، لمّا أنّه يقع بينهم على من يمتزج به وينسجم معه ( على ما يقولون ) . ولقد اطمأن إليهم حتى عهد بتربية ابنه إلى مسيحي على ما لا اختلاف فيه بين المؤرخين . ولا يمكن أن نعلل هذه الصلة الوثيقة والتعلق الشديد بالأخطل وغيره إلا إلى مكان التربية ذات الصبغة الخاصة واللون النابي .
إذا كان يقيناً أوما يشبه اليقين ، أن تربية يزيد لم تكن إسلامية خالصة وبعبارة أخرى كانت مسيحية خالصة ، فلم يبق ما يستغرب معه أن يكون متجاوزاً مستهتراً مستخفّاً بما عليه الجماعة الاسلامية ، لا يحسب لتقاليدها واعتقادها أي حساب ولا يقيم لها وزناً ، بل الذي يستغرب أن يكون على غير ذلك . « 1 » ومن ثمَّ وجدنا يزيداً يشاور المسيحيين والأجانب أمثال سرجون الرومي ويعمل بما يملوه عليه وكما قلنا سابقاً فإنه جعل عبيد اللَّه بن زياد والياً على الكوفة بإشارة من سرجون المسيحي « 2 » ومضافاً إلى ذلك ، فان يزيد قد ترعرع ونشأ في البادية عند أخواله بني كلب ، ولم يكن تأثره بعادات البداوة بأقلَّ من تأثره بالمسيحية في رذائل الأخلاق ووحشية الطباع ، إذ أنَّ معاوية ترك ميسون امَّ يزيد وارسلها إلى البادية ، فكانت
هامش
( 1 ) سمو المعنى ص 67 - 66 . مروج الذهب ج 3 ص 3 .
( 2 ) الكامل في التاريخ ج 3 ص 268 . الحسن والحسين سبطا رسول اللَّه ص 84 - 85 . حجة السعادة ج 2 ص 6 .