يزيد في أحضان بني كلب
يقول العلايلي : وإنَّ أهم ما يلزمنا أن نعرف هنا من أمر يزيد ناحيتان :
نشأته المسيحية أو بالأحرى التي كانت أقرب إلى المسيحية ، وعقليته التي كانت في نظري غَيبيَّة جداً ، وتبعد كثيراً عن العقلية الواقعية العملية التي امتاز بها أبوه .
يبدو مستغرباً بادئ ذي بدء ، أن نعرف أن يزيد نشأ نشأة مسيحية تبعد كثيراً عن عرف الإسلام ، وتزيد القاري دهشةً إلى حد الانكار ، ولكن لا يبقى في الأمر ما يدعو إلى الدهشة ، إذا علمنا أن يزيد يرجع بالأمومة إلى بني كلب ، هذه القبيلة التي كانت تدين بالمسيحية قبل الإسلام ، ومن بديهيات علم الاجتماع أن انسلاخ شعب كبير من عقائده يستغرق زمناً طويلًا ، بين معاوَدات نفسية ورَجعات ضميرية وذِكريات وجدانية . وبالأخص إذا كانت عقيدة سيطرت على الافكار والعادات والعُرف العام .
والتاريخ يحدثنا أن يزيد نشأ فيها إلى طور الشباب أو حتى جاوز طور الطفولة ، ومعنى هذا أنه أمضى الدور الذي هو محطُّ أنظار المُرَبِّين وعنايتهم ، وبذلك ثبت على لون من التربية النابية تمازجها خشونة البادية ، وجفاء الطبع .
على أن طائفة من المؤرخين ترجِّح ولا يبعد أن يكون صحيحاً ، أن من أساتذة يزيد بعض نساطرة الشام من شمارقة النصارى ، وربما شهد لهذا التقدير ما جاء في تاريخ الشام لابن عساكر من أن يزيد كان يعرف طرفاً من الهندسة هذا الفن الذي كان مجهولًا من العرب ، مما يضعنا أمام الأمر الواقع الذي يتسق تفسيره على هذا الوجه . ولا يخفى ما يكون لهذه التربية من أثر سيي فيمن سيكون ولي أمر المسلمين .