أقول : ويمكن إرجاع الوجهين الآخرين الآتيين إلى ذلك ، وإلّا فإشكالهما ظاهر :
أحدهما : أنّ ظاهر التكاليف الوجوديّة المتعلّقة بالطبايع ، كون المتعلّق هو صرف وجود الطبيعة ، لا جميع الوجودات ، وعليه فالأمر بالأخذ بأحد الخبرين إنّما يكون المطلوب به هو الأخذ مرّةً واحدة ، لا الأخذ في كلّ يوم .
وبعبارة أُخرى : التكليف متوجّهٌ إلى غير الآخذ ، وبعد الأخذ يسقط التكليف .
ثانيهما : أنّ موضوع التخيير هو الخبرين المتعارضين الجائي أي الواصل ، وهو إنّما يصل مرّةً واحدة ، وبعد الآن الأوّل لا يصدق أنّه وصل ، بل هو الذي كان قد وصل سابقاً ، فإذا اختار أحدهما ، فقد ارتفع موضوع التخيير ، فلا يشملهما أخبار التخيير .
قال المحقّق النائيني رحمه الله « 1 » : ( ومنها كون التخيير استمراريّاً ، إذا كان التخيير في المسألة الفقهيّة ، لأنّه يكون كالتخيّير بين القصر والاتمام في المواطن الأربعة :
ثمّ قال : وبدويّاً إذا كان التخيير في المسألة الاصوليّة ، فإنّ معنى كون التخيير في المسألة الاصوليّة هو التخيير في جعل أحد المتعارضين حجّة شرعيّة ، وأخذ أحدهما طريقاً محرزاً للواقع ، ولازم ذلك وجوب الفتوى بما اختاره أوّلًا ، وجعل مؤدّاه هو الحكم الكلّي الواقعي المتعلّق بأفعال المكلّفين ، فلا معنى لاختيار الآخر بعد ذلك .
ثمّ قال : وأدلّة التخيير إنّما تدلّ على اختيار أحدهما حجّة ، وبعد اختيار أحدهما حجّة ، يكون المجتهد محرِزاً للواقع ، ولا يبقى مجالٌ لاختيار الآخر بعد ذلك حجّةً شرعيّةً ) انتهى .
هامش
( 1 ) فوائد الأصول : ج 4 / 768 .