أمّا القسم الأوّل : فقد اختار الشيخ الأعظم رحمه الله « 1 » أنّ تلك الأحكام أمور انتزاعيّة تنتزع من الأمر بالشيء عنده أو عند عدمه ، مثلًا تنتزع السببيّة للدلوك من الأمر بالصلاة عنده .
واستدلّ له بوجهين : جريان الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة وعدمه
أحدهما : الوجدان ، فإنّه لو فَرض الإنسان نفسه حاكماً بحكمٍ تكليفي ووضعي بالنسبة إلى عبده ، لوجد من نفسه صدق ما ذكرناه ، فإنّه إذا قال لعبده :
( أكرم زيداً إن جاءك ) فهل يجد المولى من نفسه أنّه أنشأ إنشائين ، وجعل أمرين :
أحدهما وجوب إكرام زيدٍ عند مجيئه ، والآخر كون مجيئه سبباً لوجوب إكرامه ، أو أنّ الثاني مفهومٌ مُنتزعٌ من الأوّل ، لا يحتاج إلى جعلٍ مغايرٍ لجعله الأوّلي ولا إلى بيان مخالف لبيانه ؟ ! ولهذا اشتهر على ألسنة الفقهاء سببيّة الدلوك ومانعيّة الحيض ، ولم يرد من الشارع إلّاإنشاء طلب الصلاة عند الأوّل ، وطلب تركها عند الثاني .
وعلى الجملة : الوجدان شاهدٌ على أنّ السببيّة والمانعيّة في المثالين اعتباران منتزعان كالمسببيّة والمشروطيّة والممنوعيّة .
ثانيهما : البرهان على عدم كون ذلك مستقلّاً بالجعل ، بما حاصله :
أنّ السببيّة للدلوك ليست ذاتيّة ، وإلّا لزم تأثيره في الوجوب ، وإنْ لم يجعل الشارع ، لأنّ ذلك مقتضى ذاته كما في بقيّة الأسباب الخارجيّة ، مع أنّه لا يكون مجعولًا شرعيّاً على فرضه ، ولا نعقل أن يكون صفة أوجدها الشارع في السبب إذ الذّات لا تتغير بالتشريع عمّا هي عليه من الوجدان أو الفقدان ، لأنّ مسألة
هامش
( 1 ) فرائد الأصول : ج 2 / 602 .