وأمّا الطائفة الثانية : فلأنّ المراد بالتقوى :
إنْ كان هو الوقاية من عذاب اللَّه ، فارتكاب محتمل التحريم مع الدليل على جوازه ، وعدم العقاب عليه ، ليس مشمولًا للآية .
وإنْ كان المراد به المرتبة العالية من التقوى ، الشاملة لترك المكروهات ، وفعل المندوبات ، والاحتياط بإتيان ما يُحتمل وجوبه مع الدليل على عدمه ، كموارد جريان قاعدة الفراغ وشبهها ، فالأمر به لا محالة يكون غير إلزامي ، والالتزام بإبقائه على ظهوره وخروج هذه الموارد بالدليل الخاص ، كما ترى .
وأمّا الطائفة الثالثة فلأنّ المراد بالهلكة :
إنْ كان هو العقاب ، فأدلّة البراءة توجب القطع بعدم العقاب ، فلا يكون مشمولًا لهذه الآية الشريفة .
وإنْ شئت قلت : إنّ هذا النهي بعدما لم يكن نفسيّاً - لأنّ فعل ما يترتّب عليه العقاب لا يكون محرّماً بحرمة أخرى ، غير الحرمة المترتّب عليها العقاب على مخالفتها - ولا طريقيّاً إذ الحكم الطريقي إنّما يكون لتنجيز الواقع ، ومع فرض تنجّزه لفرض الهلكة في موضوعه ، وهو العقاب ، فلا يعقل أنْ يكون النهي موجباً له ، فلا محالة يكون إرشاديّاً ، فإذا أصبح إرشاديّاً صار تابعاً لثبوت العقاب من دليلٍ آخر ، وأدلّة البراءة تنفيه .
وإنْ كان المراد الهلكة الدنيويّة ، فهي مقطوع العدم ، مع أنّ الشكّ من هذه الجهة من قبيل الشُّبهة الموضوعيّة لا يجب فيها الاحتياط بالاتّفاق .
وأمّا الطائفة الرابعة : فلأنّ محتمل التحريم ، مع قيام الدليل على الترخيص فيه ظاهراً ، ليس مشمولًا له ، لأنّه وإنْ لم يعلم التكليف الواقعي ، إلّاأنّ الوظيفة الظاهريّة معلومة .
وأمّا الطائفة الخامسة : فلأنّ الظاهر منها رد الحكم الواقعي إلى اللَّه تعالى ، مع
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 319
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص٣١٩