أقول : والحقّ في الجواب يبتني على بيان أمور :
الأمر الأوّل : أنّ المشهور بين العدليّة تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد في المتعلّقات ، وخالفهم المحقّق الخراساني « 1 » والتزم بأنّها تابعة للمصالح في نفس الجعل .
وأورد عليه المحقّق النائيني رحمه الله « 2 » : بأنّه لو كانت المصلحة في نفس الأمر والجعل ، كان اللّازم حصولها بمجرّد الأمر ، وحينئذٍ لم يبق موقع للامتثال .
وفيه : أنّ لزوم الامتثال غير مرتبط بالمصلحة والمفسدة ، بل يجب الامتثال حتّى بناءً على مسلك الأشاعرة القائلين بجواز جعل الأحكام جزافا ، لأنّه إنّما يجب لكونه ممّا يقتضيه قانون العبوديّة والمولويّة .
فالحقّ في الجواب عنه : أنّ هذا في نفسه وإنْ كان ممكناً ، إلّاأنّه يردّه النصوص والروايات الواردة في علل الشرائع المتضمّنة لبيان المصالح والمفاسد للأحكام .
ثمّ إنّ المصالح والمفاسد :
ربما تكون شخصيّة ، كمصلحة الصوم ، ومفسدة شرب المُسكر ونحوهما .
وربما تكون نوعيّة ، كمصالح الواجبات النظاميّة ، ومفاسد أكل مال الغير ، وقتل النفس المحترمة ، وغيرهما .
الأمر الثاني : أنّ للعقل حكمين في باب الإطاعة والعصيان :
أحدهما : أنّه يجب على المولى إنزال الكتب وإرسال الرُّسل ، وبيان الأحكام
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 309 ، وقد بيّن ذلك في فوائد الأصول : ص 137 بقوله : « وأمّا الأوامر والنّواهي الظّاهريّةفيمكن أنّ تكون صوريّة لو لم يكن متعلّقاتها بما هي ممّا أدّى إلى حكمه هذا الطّريق أو الأصل ذا مصلحة أو مفسدة ، ويمكن أن يكون حقيقيّة لو كانت كذلك ، فلا وجه للاستدلال بها على الاحتمالين » .
( 2 ) فوائد الأصول للنائيني : ج 3 / 59 .