والمفروض أنّ دلالة العام على العموم أيضاً لا تخلو من أحد هذين الأمرين : أي الوضع ، أو مقدّمات الحكمة ، فما معنى كون إحدى الدلالتين ذاتيّة أصليّة ، والأخرى تبعيّة ؟ !
واستدلّ « 1 » لتقديم المفهوم مطلقاً : - وإنْ كانت النسبة عموماً من وجه - بأنّ دلالة القضيّة على المفهوم عقليّة ، ودلالة العام على العموم لفظيّة ، فلا يمكن رفع اليد عن المفهوم من جهة العموم .
وبعبارة أخرى : إنّ المفهوم لازم عقلي للخصوصيّة التي تكون في المنطوق ، وبديهي أنّه لا يُعقل رفع اليد عن المفهوم من دون التصرّف في تلك الخصوصيّة ، لاستحالة انفكاك الملزوم عن لازمه والعكس ، ورفع اليد عن تلك الخصوصيّةلا موجب له ، لفرض أنّها ليست طرفاً للمعارضة مع العام ، فما هو طرف للمعارضة لا يمكن رفع اليد عنه ، وما يمكن فيه ذلك ليس طرفاً المعارضة .
ويردّه : أنّ التعارض بين المفهوم والعام يرجع في الحقيقة إلى التعارض بين المنطوق والعام ، لأنّ القضيّة ذات المفهوم تدلّ على تلك الخصوصيّة بالمطابقة ، وعلى المفهوم بالالتزام ، فالعام المعارض إنّما هو معارضٌ لكليهما ، لأنّ انتفاء الملزوم كما يستلزم انتفاء اللّازم ، كذلك انتفاء اللّازم يستلزم انتفاء الملزوم ، ولا يعقل انفكاك أحدهما عن الآخر ، فالعام المنافي للمفهوم ، يكون منافياً للمنطوق بالضرورة ، فيقع التعارض بينهما .
وقد فصّل المحقّق الخراساني رحمه الله « 2 » في المقام بما حاصله : أنّه إذا ورد العام مع ما له المفهوم في كلامٍ أو كلامين مرتبطين ، على نحوٍ يصلح أن يكون كلّ منهما قرينةً
هامش
( 1 ) راجع محاضرات في الأصول : ج 5 / 293 حيث نسبه إلى قائل .
( 2 ) كفاية الأصول : ص 233 ( فصل : قد اختلفوا في جواز التخصيص بالمفهوم المخالف ) .