وأمّا إذا لم يكن بينهما التنافي لا من ناحية المبدأ ولا من ناحية المنتهى ، ولم يلزم من جعلهما اجتماع المصلحة والمفسدة والإرادة والكراهة في متعلّق واحد ، ولا يلزم التكليف بما لا يطاق - كوجوب صلاة الفريضة ، ووجوب إزالة النجاسة عن المسجد - فلا يكون هناك مانعٌ من جعلهما معاً .
وبعبارة أخرى : إذا لم يكن بين الحكمين تناف في مقام الجعل والتشريع ، بل كان بينهما كمال الملائمة ، وإنّما نشأ التنافي في مقام فعليّة كليهما ، وتحقّق موضوعهما خارجاً اتّفاقاً ، فهو باب التزاحم ، فالملاك للدخول في باب التزاحم هو أن يكون التضادّ بين المتعلّقين اتّفاقيّاً ، وكان منشأه عدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما في مرحلة الامتثال اتّفاقاً ، بعدما كان قادراً على الإتيان بكلّ واحد من الفعلين في نفسه مع قطع النظر عن الآخر ، ولم يقدر على الجمع بينهما صدفة .
فالمتحصّل : أنّ المنشأ الأساسي لوقوع التزاحم بين الحكمين ، جعل الشارع كلا الحكمين في عرض واحد ، ولازمه اقتضاء كلّ منهما لامتثاله في عرض اقتضاء الآخر له ، وعدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما في مرحلة الامتثال اتّفاقاً ، فإذا تحقّق هذان الأمران تحققت المزاحمة بينهما ، وإذا انتفى أحد الأمرين ، فإنّه لا مزاحمة أصلًا .
قال المحقّق النائيني رحمه الله « 1 » : إنّ التزاحم قد ينشأ من شيء آخر لا من عدم قدرة المكلّف ، وهو فيما إذا صار المكلّف واجداً للنصاب الخامس من الإبل الذي يجب فيه خَمْس شياه ، ثمّ بعد انقضاء ستة اشهر مثلًا ملك ناقَة أخرى ، فحصل النصاب السادس ، الذي يجب فيه بنت مخاض . فإنّ المكلّف وإن كان قادراً على
هامش
( 1 ) أجود التقريرات : ج 2 / 53 ( الخامس : موارد التلازم الاتّفاقي ) .