وكيف كان ، فالبحث في المقام في جهات :
الجهة الأولى : في بيان حقيقة التزاحم .
أقول : التزاحم على نوعين :
النوع الأوّل : التزاحم بين الملاكات ، بأن يكون في فعل مقداراً من المصلحة يقتضي إيجابه ، ومقداراً من المفسدة يقتضي تحريمه ، أو مقداراً من المصلحة يقتضي استحبابه ، ومقداراً من المفسدة يقتضي كراهته ، أو كانت المصلحة في فعلٍ ، ومصلحة أخرى في فعلٍ آخر مضادّ له ، أو كانت المصلحتان في فعلين متضادّين بحيث لم يمكن استيفائهما معاً ، وهكذا .
وبديهي أنّ الأمر في هذه الموارد بيد المولى ، وعليه أنْ يلاحظ الملاكات ، ويقدّم ما هو الأهمّ والأقوى ، ويجعل الحكم على طبقه ، ولا دخل للمكلّف في ذلك ، فإنّ وظيفته امتثال أو أمر المولى ، والخروج عن عهدة الأحكام من دون ملاحظة جهات المصالح والمفاسد ، بل لو زعم أنّ المولى قد اشتبه عليه الأمر - كما قد يتّفق ذلك في الموالي العرفيّة من فرضه الوجوب مثلًا مع أنّه لا مصلحة فيه - كان تصرّفه مخالفاً لمقتضى العبوديّة .
أضف إلى ذلك : أنّه ليس للعبد طريق إلى إحراز جهات المصالح والمفاسد في متعلّقات الأحكام الشرعيّة مع قطع النظر عن ثبوتها ، وهذا النوع من التزاحم غير مربوط بنا ، ولا يكون في مقابل التعارض .
النوع الثاني : تزاحم الأحكام بعضها مع بعض في مقام الامتثال والفعليّة ، ومنشأه عدم قدرة المكلّف على امتثال كلا التكليفين معاً .
وبعبارة أخرى : مورد هذا التزاحم ما إذا لم يكن بين جعل الحكمين معاً على
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 333
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص٣٣٣