والموجب له إنّما هو التنافي الدائمي بالنسبة إلى جميع المكلّفين ، كما هو الحال في الضدّين حيث إنّه لا يمكن للشارع ايجابهما بنحو الإطلاق معاً ، فإنّه لغو محضٌ ، ويستحيل صدوره من الحكيم .
بل التنافي إنّما يكون في مرتبة الفعليّة ، لأنّ فعليّة كلّ من الحكمين المتزاحمين تأبى عن فعليّة الآخر ، لاستحالة فعليّة كليهما معاً ، إذ القدرة الواحدة لا تفي إلّابإعمالها في أحدهما ، ولا تكفي للجمع بينهما في مقام الإتيان والامتثال ، فلا محالة يعدّ اختيار كلّ منهما موجباً للعجز عن الآخر ، فينتفي الحكم الآخر بانتفاء قيده ، وهو القدرة على القول باشتراطها ، من دون أن يوجب ذلك تصرّفاً في دليله .
وعلى الجملة : إنّ باب التعارض إنّما هو فيما لو كان تمانعٌ وتنافٍ بين جعل الحكمين بنحو القضيّة الحقيقيّة :
إمّا من ناحية المبدأ : حيث أنّ المصلحة غير المزاحمة بالمفسدة ، أو الغالبة عليها ، والمفسدة كذلك متضادّتان لا يمكن اجتماعهما في شيء واحد ، وكذلك الإرادة والكراهة بالنسبة إلى متعلّق واحد .
وإمّا من ناحية المنتهى : لعدم تمكّن المكلّف من امتثال كلا الحكمين ، ولزوم التكليف بما لا يطاق لتضاد المتعلّقين ذاتاً مع اتّحادهما في الحكم ، كما إذا وجب القيام دائماً والقعود كذلك .
أو لتلازم المتعلّقين تلازماً دائميّاً ، مع اختلافهما في الحكم ، كما إذا وجب استقبال المشرق وحَرُم استدبار المغرب ، أو غير ذلك ممّا لا يمكن الجمع بين الحكمين ثبوتاً .
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 335
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص٣٣٥