أقول : وهذا الوجه متين ، لكنّه يختصّ بالقدرة العقليّة ، ولا يجري في موارد عدم القدرة الشرعيّة ، كما هو واضح .
ونزيده وضوحاً : إنّه لو كان التكليف الواقعي هو الوجوب ، وقامت الأمارة على حرمتها ، فلا ريب في عدم قدرة المكلّف شرعاً على امتثال التكليف الواقعي ، لكونه موظّفاً بالانزجار ، ومعه لا يقدر على الانبعاث ، وحينئذٍ إن التزم بسقوط التكليف الواقعي ، لزم التصويب المجمع على بطلانه ، وإنْ التزم ببقائه ، لزم الالتزام بعدم اعتبار القدرة في التكليف .
ويمكن أن يُقال : إنّه لو سُلّم دلالة الآيات والروايات على اعتبار القدرة ، فإنّما هي بالنسبة إلى القدرة العقليّة دون الشرعيّة .
فإن قيل : إنّه في ما هو محلّ البحث ، وهو تزاحم الواجبين ، لا يقدر عقلًا على امتثال كلا الحكمين فلابدّ من سقوط أحدهما أو كليهما ، فإذا كان هناك مرجّح لأحدهما بقي الراجح وسقط الآخر بالضرورة .
وفيه : لو كان هناك أمر واحد بهما ، كان ذلك أمراً بغير المقدور ، وحيث أنّ المفروض أنّهما أمران ، والمكلّف قادرٌ على امتثال كلّ منهما في نفسه ، لا يبقى للدعوى المذكورة مجال .
وأيضاً : إنّ مقتضى الوجه المختار ، والآيات والروايات « 1 » ، أنّه إذا كان بعض أفراد الطبيعة المأمور بها مقدوراً ، كان التكليف إليه صحيحاً .
وبعبارة أخرى : إنّهما يدلّان على اعتبار عدم عجز المكلّف عن جميع الأفراد ،
هامش
( 1 ) حيث أنّ الأوامر فيهما مطلقة ، ولم يؤخذ فيها قيد زائد عن القدرة العقليّة المانعة من التكليف ، ويكفي في تعلّقالأوامر بالطبيعة تحقّق فرد من أفرادها ، وما ورد من تقييد بعض التكاليف أو رفعها ، فالظاهر أنّها قيود للفعليّة ، فلا تمنع من أصل التكليف ، ولا يكون المورد من مصاديق التكليف بالمحال .