تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
أقول : وتنقيح القول يتحقّق بالبحث في مقامين : الأوّل : فيما يقتضيه الأصل بناءً على إمكان أخذ قصد الامتثال في المأمور به . الثاني : في مقتضى الأصل اللّفظي ، بناءً على عدم إمكانه . أمّا المقام الأوّل : فالمختار فيه أنّ الأصل يقتضي كون الواجب توصّليّاً ، إذ بعدما عرفت من إمكان أخذ قصد القربة في المتعلّق ، يكون هو كسائر الأجزاء والشرائط المشكوك في اعتبارها ، ولم يدلّ دليل عليه ، حيث أنّ مقتضى الإطلاق عدم اعتبارها ، وبه يثبت كون الواجب توصّليّاً . وقد استدلّ لأصالة التعبّديّة بوجوه : الوجه الأوّل : أنّ أمر المولى بما أنّه فعلٌ من أفعاله الاختياريّة ، فلابدّ وأن يكون لغرضٍ ليخرج بذلك عن اللّغويّة ، والغرض منه جعل أمره محرّكاً إيّاه نحو العمل ، فالأمر بنفسه جعلٌ للداعي والمحرّك ، فما دام لم يقم قرينة على التوصّليّة ، كان مقتضى نفس الأمر هو التعبّديّة . وفيه أوّلًا : ما تقدّم من أنّ الغرض من الأمر ليس جعل الداعي ، وإلّا لما تخلّف عنه ، ولما صدرت المخالفة من العصاة ، بل الغرض منه جعل ما يمكن أن يكون داعياً ، إذ المولى إذا رأى في فعلٍ من الأفعال الاختياريّة للعبد مصلحةً ، واشتاق إليه ، يتصدّى لإيجاده بالأمر نحوه ، ليوجد العبد ذلك الفعل جرياً على ما يقتضيه قانون العبوديّة والمولويّة ، وهذا الغرض يشترك فيه التعبّديّات والتوصّليّات . وإنّما الاختلاف بينهما في الغرض المترتّب على الواجب ، فإنّه إنْ ترتّب على مطلق وجود الفعل ، فالواجب توصّلي ، وإنْ ترتّب على الإتيان به بقصد القربة ، فالواجب تعبّدي ، وعلى فرض استكشاف ترتّب الغرض على مطلق وجود الفعل ، ولو بمقتضى الإطلاق ، لما كان الأمر داعياً إلى إيجاده بقصد القربة .