وأمّا على المسلكين الآخرين : فقد يقال - كما عن جماعة منهم المحقّق الخراساني - إنّه حقيقة في الوجوب .
واستدلّ لذلك : ( بأنّ المنساق إلى الذهن والمتبادر ، هو الوجوب عند استعماله بلا قرينة ) « 1 » .
ويرده : أنّ التبادر وإنْ كان علامة الحقيقة ، إلّاأنّه فيما إذا كان ذلك ناشئاً ومستفاداً من حاق اللّفظ ، وإلّا فلو احتمل أن يكون لغير ذلك كما في المقام ، إذ لعلّه يكون من جهة الإطلاق ومقدّمات الحكمة - كما ذهب إليه بعض - أو من جهة حكم العقل - كما اخترناه - فلا يكون هذا الانسباق علامة الحقيقة .
وأورد صاحب « المعالم » على القوم : بأنّه ( لو سُلّم كون الصيغة حقيقة في الوجوب ، إلّاأنّ كثرة استعمالها في الندب في الكتاب والسُنّة وغيرهما تكون سبباً لصيرورة الندب مجازاً مشهوراً ، والشهرة تارةً تصل إلى حدّ تحصل العُلقة الوضعيّة ، فحينئذٍ لو هجر المعنى الحقيقي أصبح هو معناه المنقول إليه ، وإلّا فيكون من قبيل المشترك اللّفظي ، وإنْ لم تصل إلى هذا الحدّ ، فلا يحمل اللّفظ المجرّد عن القرينة على شيء منهما ) « 2 » .
وأجاب عنه المحقّق الخراساني « 3 » : بأجوبة ثلاثة :
الجواب الأوّل : إنّ كثرة الاستعمال في المعنى المجازي توجب النقل ، أو الحمل عليه ، أو التوقّف فيما إذا لم يكن اللّفظ مستعملًا في المعنى الحقيقي كثيراً ، وإلّا فلا توجب شيئاً من ذلك ، والمقام من هذا القبيل لكثرة استعمال الصيغة في الوجوب أيضاً .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 70 .
( 2 ) معالم الدين : ص 15 ( المبحث الأوّل في الأوامر ، أصل ) بتصرّف .
( 3 ) كفاية الأصول : ص 70 .