فلو كان المراد بالضلال ما هم فيه ، لزم منه تحصيل الحاصل وهو محال ، فأمثال هذه الآيات صريحة في أنّه يفعل بهم الإضلال بعد فسقهم ، فيكون مغايراً له .
الوجه السادس : إنّه تعالى يذكر هذا الضلال جزاءً لهم على سوء فعلهم ، وعقوبةً لهم ، فلو كان المراد ما هم عليه ، لكان ذلك تهديداً لهم بشيء هم عليه مُقبلون وبه متلذّذون .
ولذلك كلّه ذهب العدليّة إلى أنه يجب المصير إلى وجوه أخرى من التأويل :
الأوّل - أن يُحمل الإضلال على الإضلال عن الجنّة .
الثاني - أن يُحمل الإضلال على الهلاك والإبطال ، كقوله تعالى : « الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ » « 1 » ، وقوله تعالى : « وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ » « 2 » .
الثالث - أنّ الضلال والإضلال هو العقاب والتعذيب ، كما في قوله تعالى : « إِنَّ الُمجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ » « 3 » .
الرابع - أن يكون الإضلال هو التخلية وترك المنع ، فيقال : ( أضلّ فلانٌ ابنه ) ، إذا لم يتعاهده بالتأديب .
ويؤيّده ما عن « العيون » عن الإمام الرضا عليه السلام في قوله تعالى : « وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَايُبْصِرُونَ » « 4 » ، قال : « إنّ اللَّه تعالى لا يُوصف بالترك كما يُوصف خلقه ،
هامش
( 1 ) سورة محمّد : الآية 1 .
( 2 ) سورة السجدة : الآية 10 .
( 3 ) سورة القمر : الآية 47 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية 17 .