ومؤاخذة العبد إذا توجّه إليه الأمر بشيء وخالفه ، إذ لو كان الفعل لمجرّد استناده إلى اللَّه تعالى يصبح غير اختياري وغير صالح للمؤاخذة عليه ، لما صحّت مؤاخذة الموالي العرفيّة أيضاً . وإذا كان الفعل في حدّ ذاته قابلًا للمؤاخذة عليه ، لم يكن هناك فرق بين كون المؤاخذة ممّن انتهت إليه سلسلة الإرادة أو غيره .
غاية الأمر يبقى سؤال وهو ؛ إنّه لماذا أقدم اللَّه سبحانه وتعالى على خلق من سيوجد منه المهلكات ، أو لماذا قام تعالى بإيجاد نفس مقدّمات الاختيار الموجبة لأنواع العقوبات ، وهل لا يكون ذلك منافياً لرحمة ربّ الأرباب ؟ !
والظاهر أنّ قوله : ( اللّازمة لخصوص ذاتهما . . الخ ) « 1 » ، إشارة إلى الجواب عن ذلك .
* * * وجه إيجاد من سيوجد منه المُهْلِكات
وجه إيجاد من سيوجد منه المُهْلِكات
أقول : وحاصله - كما أفاده بعض المحقّقين « 2 » - يظهر بعد بيان مقدّمات :
المقدّمة الأولى : إنّ لكلّ ماهيّة من الماهيّات في حدّ ذاتها حدّاً معيّناً ، بحيث لو زيد عليه أو نقص عنه خرجت عن كونها تلك الماهيّة . مثلًا ماهيّة الشجر عبارة عن جوهرٍ ممتدٍّ نام ، ولو زيدَ عليه الحاسية لأصبح حيواناً ، ولو نقص عنه النمو لأصبح جماداً .
المقدّمة الثانية : إنّ لماهيّة الأشياء نحو وجودٍ في العلم الأزلي الربوبي بتبع العلم بالوجودات .
المقدّمة الثالثة : إنّ المجعول بالأصالة هو الوجود ، وأمّا الماهيّة فهي مجعولة بالتبع والعَرَض ، أمّا وجدانها لذاتها وذاتيّاتها ولوازمها فغير محتاج إلى جعل
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 68 .
( 2 ) كما أفاده صاحب الكفاية حسب الظاهر ، نقله المصنّف ( مدّ ظله ) ببيان آخر للتوضيح .