نقول : إنّ إعمال القدرة والاختيار ، إنّما يكون فعلًا قائماً بالنفس ، وهي موجدة له بنفسها ، ويكون اختياريّاً بلا احتياج إلى العلّة التامّة .
والنفس ليست علّة تامّة له حتّى يستحيل انفكاكه عنها ليعود المحذور ، بل النفس موجدة له ، فتارةً يوجد الداعي لها فتوجده ، وأخرى لا ينقدح لها الداعي فلا توجده ، فالفعل الخارجي اختياري للنفس بوساطة اختياريّة فعل النفس لا بنفسه ، لأنّه ليس من أفعالها ، ولكن لسلطنة النفس على البدن ، وكون العضلات منقادة للنفس في حركاتها ، وليس لها مزاحم في سلطانها ، يكون الفعل الخارجي اختياريّاً للنفس .
ومعنى كونه اختياريّاً لها صدوره مسبوقاً بالاختيار والإرادة .
وأمّا فعل النفس ، وهو إعمال القدرة ، فهو اختياري لها بنفسه ، بلا وساطة شيء آخر ، وبلا احتياج إلى سبق اختيار آخر .
وهذا نظير العلم ، حيث أنّ المعلوم ينكشف بوساطته ، وهو منكشفٌ بنفسه ، ولعلّ هذا هو المراد من الرواية الشريفة المتضمّنة أنّه : « خلق اللَّه المشيئة بنفسها ، ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة » « 1 » ، فلا وجه لتوجيهها بتوجيهات بعيدة كما عن بعض المحقّقين .
وما ذكره المحقّق الأصفهاني : ( من أنّ إرادته تعالى التي هي أيضاً من أفعاله ، يستحيل أن تكون عين ذاته ، لاستحالة كون الفعل عين فاعله ، فلا محالة تكون قائمة بذاته . فإن كانت قديمة بقِدمه كان حال هذا القائل حال الأشعري الملتزم بقدم الصفات الزائدة على الذّات ، وهو باطل بالضرورة .
وإنْ كانت حادثة كان محلّها الواجب ، إذ لا شيء آخر يقوم به ، فيلزم كون
هامش
( 1 ) أصول الكافي : ج 1 / 110 باب أنّ الإرادة من صفات الفعل وسائر صفات الفعل .