شرح
بنى مسجداً وجداراً فوق العقبة ليمنع الناس من الصعود على الجمرة لرميها ؛ فلم تكن الجمرة بناية وجداراً ، ولا عموداً منصوباً ؛ ولا يستدعي وجود وجه وعلوّ للجمرة شيئاً من ذلك بعدما كان يتحقّق الأمران للجمرة إذا كانت ربوة - كما تقدّم - وتقدّم بعض تفصيله سابقاً .
ثمّ إنّ الفقهاء أفتوا باستحباب استقبال جمرة العقبة واستدبار القبلة ؛ خلافاً للجمرتين الأوليين ؛ وكأنّهم استندوا في الفتوى إلى هذه الرواية ، مع عدم وروده صريحاً في نصّ ؛ ولعلّ الوجه في استظهارهم ذلك من الرواية هذه هو استلزام رمي العقبة من قبل وجهها - في وضعها القديم - لذلك عادةً ؛ حيث إنّ العقبة كانت ربوة وتلّاً وجهها إلى القبلة ؛ فمن استقبل الجمرة استلزم ذلك استدبار القبلة ، طبعاً ؛ لا عقلًا ؛ إذ يمكن رمي الجمرة من قبل وجهها منحرفاً متمايلًا عن مواجهتها ؛ وقد ورد ذلك في بعض نصوص العامّة ، وأنّه ينبغي رمي العقبة متمايلًا لئلّا يكون الرامي مستدبراً القبلة حال الرمي .
ويحكى عن الأزرقي كلام ربما يفهم منه : أنّ الجمرة هي بنية خاصّة ؛ لا المحلّ والأرض ؛ وأنّ الجمرة كمقام إبراهيم قابل للتحوّل . قال في المحكي عنه بعد أن وصف الحاكي ، الأزرقي بأنّه إمام الناس وقدوتهم في أمكنة المناسك وما يتعلّق بها :
وكانت الجمرة - أي جمرة العقبة - زائلة عن محلّها ، أزالها جهّال الناس برميهم الحصى ، وغفل عنها حتّى ارتخت من موضعها شيئاً يسيراً منها ومن فوقها فردّها بعض رسل المتوكّل العبّاسي إلى موضعها التي لم تزل عليها ؛ وبنى من ورائها جداراً أعلاها علمها ؛ ومسجداً متّصلًا بذلك الجدار لئلا