تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (الحج والعمرة) — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
شرح
الاستصحاب في غيره أو لا ؛ وذلك لدلالة النصّ الخاص عليه . المناقشة : وهذا الكلام بعيد عن التحقيق والتثبّت ؛ ومردود عند أرباب الفنّ ، والسرّ في ذلك : أوّلًا : أنّ الشبهة في المقام إنّما هي في مفهوم الشهر ؛ وفي مثله لا مجرى للاستصحاب ؛ كما حقّق في محلّه ، فهو نظير استصحاب اليوم بعد استتار القرص وقبل ذهاب الحمرة ، ونظير استصحاب الليل بعد طلوع الفجر وعدم تبيّنه لغلبة ضوء القمر في الليالي المقمرة على بياض الفجر ، ونظير استصحاب الليل بعد الفجر إذا تردّد مفهوم الليل في حدّه بين طلوع الفجر وبين طلوع الشمس « 1 » .
هامش
( 1 ) الوجه في عدم جريان الاستصحاب في الشبهة المفهوميّة وإجمال القول في عدم جريان الاستصحاب في الشبهة المفهوميّة هو رجوعه إلى أحد أمرين : الأمر الأوّل : تحديد الوضع ، وأنّ وضع اللفظ لكذا معنى ؛ والأصول الشرعيّة لا تتكفّل بذلك . ودعوى : أنّ الوضع وإن لم يكن أمراً شرعيّاً ليكون الأصل مثبتاً له إلّاأنّه موضوع لحكم شرعي ، ومعه فلا مانع من جريان الأصل فيه ؛ كما في الشبهات الموضوعيّة ؛ فكما لو شكّ في بقاء النهار للشكّ في استتار القرص يجري الأصحاب ويجب الإمساك على أساسه ، فليجر الأصل لو شكّ في النهار بعد استتار القرص وقبل ذهاب الحمرة . يردّها : أنّ الوضع كما هو ليس أمراً مجعولًا للشارع كذلك ليس موضوعاً لحكم الشارع ؛ وإنّما الموضوع لحكم الشارع نتيجة الوضع ؛ وبتعبير آخر الموضوع هو اللفظ الموضوع لغةً وعرفاً . نعم ، هذا اللفظ إنّما صار موضوعاً للحكم الشرعي بسبب الوضع ؛ وهذا لا يجعل الوضع موضوعاً لحكم الشارع . إن قلت : لِمَ لا يكون الوضع بيد الشارع ؟ ! ولذا كان للشارع الحكومة كما في « الطواف بالبيت صلاة » أو « لا ربا بين الوالد والولد » فليكن له أن يحكم بوضع النهار فيما هو موضوعه لحكم لما بعد استتار القرص إلى زمان زوال الحمرة . قلت : إن كان المراد أنّ استصحاب اليوم العرفي يثبت اليوم العرفي تعبّداً فقد تقدّم أنّ وضع اليوم عرفاً ليس أمراً شرعيّاً ، فيكون الأصل مثبتاً . وإن كان المراد أنّ استصحاب اليوم العرفي يثبت وضع اليوم لما بعد استتار القرص شرعاً فهو غريب وأردأ من الأصل المثبت . وإن كان المراد إثبات الجامع بين اليوم العرفي واليوم الشرعي فهو لا يعدو أحد الوجهين السابقين ؛ وقد عرفت عدم إثبات الأصل لشيءٍ منهما . مع أنّ موضوع الأحكام الشرعيّة إنّما هو اليوم العرفي ؛ فإثبات اليوم الشرعي - بمعنى إثبات وضع الشارع اليوم لغير ما هو موضوع له عرفاً - لا يكفي لترتّب الأحكام المترتّبة على العناوين العرفيّة على أساس الإطلاقات المقاميّة . وليس الاستصحاب مشرَّعاً ومجعولًا في خصوص ذلك ليستلزم - دفعاً للغويّة - حمل ما تضمّن ترتيب الحكم على مثل اليوم وغيره على ماوضعه الشارع . الأمر الثاني : تحديد الحكم الشرعي الثابت قبل زمان الشكّ ؛ كاستصحاب وجوب الإمساك ، وهذا ليس استصحاباً في المفهوم ، بل استصحاب في الحكم مباشرة . وقد أشكل سيّدنا الأستاذ قدس سره على هذا الاستصحاب بأنّه : لا مجرى له ؛ لأنّه استصحاب مع الشكّ في تحقّق موضوعه ؛ واشتراط الاستصحاب بإحراز موضوعه مفروغٌ عنه . وربّما يورد عليه بأنّ : موضوع الاستصحاب مأخوذ من العرف ؛ ولا عبرة بما اخذ في الدليل إذا لم يساعد عليه العرف ؛ ومعه فربّما يكون الموضوع عرفاً بعد انقضاء الموضوع الشرعي - فضلًا عمّا إذا كان بقاؤه مشكوكاً - باقياً ؛ بمعنى أنّه يصدق في مورده عرفاً استمرار الحكم على تقدير ثبوت الحكم المماثل لما قبل الانقضاء ؛ وإن كان العرف لا يحكم بالاستمرار لولا حكم الشارع ولو بالاستصحاب ؛ فإنّ العرف معترف بأنّه لا يحقّ له التدخّل في تعيين الحكم الشرعي من حيث الاستمرار ؛ كما لا يحقّ له التدخّل في الحدوث ؛ ولكنّه يحقّ له ما يرتبط بمجال الوضع ؛ وأن حكم الشارع لو ثبت في الزمان الثاني كان استمراراً لا جديداً . فحكم العرف بالاستمرار تقديريٌّ لا فعليٌّ . فمثلًا إذا كان موضوع الحكم بالنجاسة الماء المتغيّر ، فإذا زال التغيّر بغير إلقاء كرّ عليه كان الدليل على النجاسة قاصراً عن شموله ؛ ولكن العرف لا يرى بقاء الموضوع ؛ وذلك لتقوّم الموضوع بالتغيّر جزماً أو احتمالًا . وهذا بخلاف موضوع الحكم بوجوب الصوم ؛ فإنّه وإن كان شرعاً هو شهر رمضان ولا يجب صوم غيره ، ولكن لو كان هناك حكم بوجوب صوم شوّال كان استمراراً لوجوب الصوم ؛ لعدم كون عنوان شهر رمضان مقوّماً للموضوع أو قيد المتعلّق عرفاً ؛ وإنّما موضوع الحكم هو الزمان ، الجامع بين هذا الشهر وغيره . لا بمعنى : أنّ العرف يحكم بوجوب صوم زمان الشكّ ؛ فإنّه معه لم تصل النوبة إلى الاستصحاب لو كان حكم العرف على أساس الاستظهار من الدليل ؛ ولا يحقّ للعرف مثل هذا الحكم إذا لم يكن الدليل ظاهراً في ذلك ، بل بمعنى : أنّ وجوب الصوم لو ثبت بعد الشهر الأوّل يكون استمراراً للحكم الثابت أوّلًا ؛ وإن كان العرف المتشرّع معترفاً بعدم ثبوت الحكم على الشهر آخر ، وعلى أساسه فهو معترف بعدم الاستمرار ؛ لا أنّه لو كان أيضاً لم يكن استمراراً ، فافهم ؛ فإنّه حقيق به . وتمام الكلام في محلّه .
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (الحج والعمرة) — صفحة 464 | الشيخ محمد القائني