ما أفيد في عدم رادعيّة عموم النهي عن اتّباع الظنّ عن سيرة العقلاء على العمل بأخبار الثقات .
وإن شئت قلت : إنّ عموم القرعة لأطراف العلم الإجمالي ، فرع عدم تخصيصه بالسيرة على الاحتياط ، وعدم التخصيص فرع كون السيرة مردوعة ، وإلّا كانت مخصّصة للعموم ، وكون السيرة مردوعة لو كان بعموم دليل القرعة كان العموم موقوفاً على العموم ، وهذا دور .
ثمّ إنّه كما لا يمكن التمسّك بالعموم ، كان التمسّك بالسيرة على التخصيص أيضاً دوراً ؛ لأنّ اعتبار السيرة فرع عدم الردع عنها بالعموم ، وعدم الردع موقوف على قصور العموم ، الموقوف على تخصيص العام بالسيرة ، فكانت السيرة في اعتبارها متوقّفة على نفسها . والنتيجة قصور العموم والسيرة كليهما عن قابليّة الاستناد .
ويمكن دفع الإشكال بوجهين :
الوجه الأوّل : أنّ السير الراسخة والمرتكزة لابدّ في الردع عنها من العناية والاهتمام ؛ ومجرّد دليل يمكن أن يكون حجّة ويمكن تخصيصه بما لا ينافي السيرة ، لايصحّ الاعتماد عليه في الردع إذا كان المشرع له عناية في الردع ، ويؤكّد ما ذكرنا موارد الردع في الشريعة كالقياس والتأكيدات الخاصّة لإثبات الردع .
الوجه الثاني : أنّ العامّ حجّة بلحاظ غير موارد السيرة على خلافه ، لا بما ذكره المحقّق الإصفهاني من أنّ اعتبار العموم ببناء العقلاء وسيرتهم ، فإذا كانت سيرتهم على خلافه في بعض الموارد لم يكن هناك دليل على حجّية العموم بعد عدم السيرة على العمل بالعموم ؛ فإنّ هذا من غرائب الكلام ، إذ كون العامّ حجّة على مقصود المتكلّم شيء ، والعمل به أو لزوم العمل به شيءٌ آخر ، وعدم عمل العقلاء على مقتضى العامّ - مخالفة أو معصية - لا يعني عدم كون العامّ حجّة على مقصود لافظه
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 636
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٦٣٦