تزاحم الحقوق وعدم المرجّح ؛ سواء كان لها واقع معيّن أو لا ، فكانت القرعة طريقاً لفصل الخصومة ، كما يشهد لذلك قصّة مساهمة أصحاب السفينة مع يونس ؛ فإنّها لم تكن لدليل شرعي ، بل لبناء عقلائي ، ونحوها قضيّة المساهمة على تكفّل مريم ، وكذا ما ورد في مقارعة النبيّ صلى الله عليه وآله بين نسائه إذا أراد سفراً . والقرعة هذه ليست كاشفة عن مجهول ، بل هي لمجرّد رفع النزاع عند عدم المرجّح مع تعيّن الواقع ، وكذا فيما كانت القرعة منشأ للتمييز بين الحقوق التي لا تعيّن لها واقعاً .
والمتتبّع في الأخبار وكلمات الأصحاب يقطع بأنّ : محلّ القرعة وموضوعها في الشريعة ليس إلّاما لدى العقلاء بعينه من خصوص موارد تزاحم الحقوق وفي موارد التنازع ، إلّاقضيّة القرعة في الشياه المشتملة على شاة موطوءة ، مع إمكان إرجاعها أيضاً إلى تزاحم حقوق نفس الشياه في الحياة أو إلى تزاحم حقوق أربابها مع فرض التعدّد كما هو الغالب .
ويشير إلى ذلك ما في بعض النصوص من خروج سهم المحقّ إذا فوّض قوم أمرهم إلى اللَّه بالقرعة ، وما في بعضها من أنّ القرعة لا تكون إلّاللإمام دالّ على اختصاصها بموارد الخصومة وتزاحم الحقوق ، ولو كانت مشروعة في مثل اشتباه القبلة لم يكن وجه للحصر المذكور ، مع كون الاشتباه في غير موارد النزاع كثيرة جدّاً .
وأمّا رواية محمّد بن حكيم فيرد على الاستدلال بها للعموم :
أوّلًا : أنّها مجملة بعد حذف مورد السؤال .
وثانياً : إنّها منصرفة - بعد كون القرعة مركوزة عند العرف والعقلاء - إلى مرتكزاتهم ، وهي موارد تزاحم الحقوق وباب القضاء . ولذلك لا ترى فقيهاً منهم - ممّن يعتبر فتواه - يرى القرعة في سائر المشتبهات ممّا عدا موارد النزاع وتزاحم
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 631
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٦٣١