أنّ موضوع القرعة هو المجهول ، ومناسبة الحكم والموضوع تقتضي أنّ الجهالة سواء كان في الذات أو في الحكم منشأ لجريان القرعة ، بل جريان القرعة في فرض جهالة الذات إنّما هو باعتبار كونها منشأ لجهالة الحكم ، فالموضوع للقرعة حقيقة هو الجهل بالحكم به ، ووصف الذات بالجهالة إنّما هو باعتبار الحكم .
والمجهول بقول مطلق لا يكون إلّابالجهل بحكمه واقعاً وظاهراً وإن صدق مطلق المجهول بجهالة الحكم الواقعي ، ولكن لا يبعد كون موضوع القرعة هو المجهول بقول مطلق لا مطلق المجهول . وواضح أنّ الجهالة المطلقة لا تكون مع جريان أصل فضلًا عن أمارة ، فيكون دليل الأصل - فضلًا عن غيره - وارداً على دليل القرعة ، بخلاف ما لو قدّم دليل القرعة ؛ فإنّ ذلك يستلزم تخصيص أدلّة الأصول وغيرها ، والعموم والإطلاق ينفيان ذلك ، ولا تخصيص في العكس ، ولا أصل ينفي الورود ؛ فإنّ الدليل المورود لا ينفي الوارد ، لأنّ الحكم لا تعرّض له لموضوعه نفياً ولا إثباتاً ، وإنّما هو متضمّن لترتّب الحكم حيث تحقّق الموضوع ، والمفروض أنّ الدليل الوارد ينفي الموضوع للدليل المورود ، فينتفي الحكم قهراً لا تخصيصاً . هذا .
ولكن كلّ ذا مبنيّ على كون الموضوع في دليل القرعة هو المجهول بقول مطلق ؛ أعني من حيث الحكم الواقعي والحكم الظاهري ، وإلّا فلو كفت مطلق الجهالة أو قلنا بأنّ موضوع القرعة هو المجهول في ذاته لا في حكمه - كما سبق من المحقّق العراقي قدس سره وإن منع من صدقه في الشبهات الموضوعيّة البدويّة وتقدّم الإشكال في منعه - لم يناف تقديم دليل الأصل صدق موضوع دليل القرعة ، ومعه فلا مناص من تخصيص دليلها ، وهو مخالف للأصل ؛ وحيث لا مرجّح لأحد الدليلين سقطا بالتعارض ، إلّاإذا كان دليل الأصل أخصّ أو غير ذلك من المرجّحات .
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 627
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٦٢٧