فإن قلت : هلّا عددت الغناء أيضاً كيفيّة من التعبير ، فإن كان مضمونه أمر حقّ كالدعوة إلى الخير والمنع من الشرور فأيّ فرق بينه وبين الكلام الفصيح من شعر ونثر ؟ ! نعم ، الفصيح من القول نوع يحقّقه تركيب من الكلام وتقديم لفظ أو تأخيره ، والغناء من القول نوع تحقّقه كيفيّة أداء الكلام من ترقيق أو ترجيع أو خفض أو رفع في القول وهكذا ؛ ولذا ذهب بعض إلى عدم حرمة الغناء بعنوانه حيث وقع في كلام حقّ أو قرآن ، بل ربّما استثنوا الغناء في القرآن ونحوه حتّى مع حرمة الغناء .
قلت : وإن كان الغناء كيفيّة من التعبير ، ولكنّه كيفيّة لهويّة تدعو إلى الشهوات الحيوانيّة ؛ ولذا جعلت علامته والأمارة عليه استدعاءه الرقص والتصفيق وفرقعة الأصابع ونحو ذلك من علامات تحرّك الشهوة .
وهذا بخلاف الفصاحة ؛ فإنّها كيفيّة تستلّذها الطباع بما لا تدعو إلى الشهوات ، بل تبعث على التقى والخير أحياناً ، ولا أقلّ من عدم دعوته إلى اللذائذ الحيوانية ؛ ولذا تقدّم عن بعضهم ما حكيناه من أنّهم يعرفون مواضع السجود في الشعر ، لا مواضع الانفلات إلى مباضعة النسوان وغيرهن ، فافهم الفرق ولا تخلط .
وإليك مقطعاً ممّا قاله ابن أبي الحديد في الموضع المشار إليه آنفاً : ومن تأمّل هذا الفصل - يعني من كلام عليّ عليه السلام - علم صدق معاوية في قوله فيه : واللَّه ما سنّ الفصاحة لقريش غيره . وينبغي لو اجتمع . . . . - تقدّم هذا الشطر آنفاً - وإنّي لأُطيل التعجّب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدلّ على أنّ طبعه مناسب لطباع الأسود والنمور وأمثالهما من السباع الضارية ، ثمّ يخطب في ذلك الموقف بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدلّ على أنّ طبعه مشاكل لطباع الرهبان لابسي المسوح الذين لم يأكلوا لحماً ولم يريقوا دماءً ، فتارةً يكون في صورة بسطام بن قيس الشيباني
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 514
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٥١٤