وعلى سبيل المثال : لو كان العرف المعاصر للتشريع يرى أنّ المنّ أو الكيل الخاص مقداره كذا ، بينما يرى العرف الحاضر تحديداً آخر لهذا الوزن أو الكيل فلا عبرة بهذا العرف فيما يرد على لسان الشارع من هذا الوزن أو الكيل موضوعاً لحكم شرعي أو متعلّقاً له .
والسرّ فيه واضح جدّاً ؛ وذلك فإنّ اختلاف العرف راجع إلى اختلاف الوضع ، وعند تجدّد الوضع للفظ فالعبرة إنّما هي بالوضع المعاصر للتشريع دون المتأخّر .
فكما أنّ العبرة في معاني الألفاظ بمعانيها في لغة العرب ، ولا عبرة بالأوضاع غير العربية للألفاظ المستعملة في لغة العرب ، فكذلك العبرة بالمعاني عند العرب المعاصرين للتشريع المخاطبين بالأحاديث والنصوص والآيات .
وعلى هذا الأساس فلو كان لفظ « الامّ » موضوعاً في اللغة قديماً لمن تولّد الجنين من مائها بعد حملها له فالعبرة بذلك فيما ورد من أخذ الامّ موضوعاً لحرمة النكاح أو وجوب الإنفاق وغير ذلك ، ولو فرض وضع هذه اللفظة في عصرنا لمن حملت بالجنين مع كون النطفة من امرأة أخرى أيضاً - وهي التي يصطلح عليها بالأرحام المستأجرة - لم يكن موجب لحمل النصوص على مثل هذا المعنى أيضاً .
وإن كان بين هذا المعنى - على تقدير كونه حقيقيّاً فعلًا - وبين المعنى القديم مناسبة ؛ بحيث كان استعمال اللفظ فيه مجازاً عند اللغة القديمة أيضاً لا غلطاً .
ولعلّ اللغوي القديم لو كان حاضراً لوضع تلك اللفظة لهذا المعنى كالمعنى القديم إلّا أنّه لعدم ابتلائه وعدم اطّلاعه على المعنى الجديد لم يضع اللفظ هذا له ، والوضع فرع العلم والاطّلاع .
وقد قدّمنا - في بعض ما تقدّم - تصوير شمول الألفاظ بمعانيها القديمة للمصاديق الجديدة ، مع كون الالتفات إلى المعنى مقوّماً للوضع فراجع ، إلّاأنّ هذا غير صدق
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 312
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٣١٢