دفع المرض أو الموت عن شخص كان ذلك إحساناً إليه ، كما أنّ من سقى أحداً ماءً بدون الضرورة كان ذلك أيضاً إحساناً . وهذا ممّا لا ينبغي التردّد فيه وإن وقع الخلاف فيه بين الأعلام فيما نسب إليهم .
ولكن الذي ينبغي الالتفات إليه هو أنّ حديث الإحسان لا يقتضي سقوط الشروط عن الشرطيّة في كلّ الأبواب ، وإنّما مقتضاه - على ما يأتي - سقوط أسباب الضمان عن التأثير فيه إذا كانت معلومة للإحسان ، وعليه فمن استنمى مال الغير بالاتّجار فيه وربح لم يكن قضيّة الإحسان قاضية بصحّة معاملاته ما لم تكن مستجمعة للشرائط التي منها رضا المالك وإذنه ، كما لا تقتضي إلغاء سائر الشرائط كبلوغ العاقد وعقله وسائر ما يعتبر في المعاملات من أمور .
وعليه فلو باع مال الغير بالأضعاف كان ضامناً لو اتّفق التلف ؛ لعدم نفوذ المعاملة في الفرض ؛ فلا موضوع للإحسان حتّى ينفي السبيل ، إلّاأن يطبّق العنوان على نفس البيع القابل للإمضاء وإن لم يكن نافذاً فعلًا لعدم رضا المالك ، وفرض أنّ المشتري لم يرض بالبيع بدون التسليم الموقوف على إثبات يد الفضولي على مال المالك المسبّب للضمان فرضاً لولا الإحسان . نعم ، لو لم يتوقّف الإحسان على إثبات اليد - لتمشّي البيع من الفضولي بدونه - كان إثبات اليد المسبّب للضمان أجنبيّاً عن الإحسان مقارناً له ، لا يقتضي الإحسان عدم الضمان فيه .
وبالجملة : ليس مضمون القاعدة صحّة معاملة المحسن حتّى إذا كانت مصداقاً للإحسان ، وإنّما مضمونها نفي السبيل عليه بضمان أو بعقاب مثلًا في إحسانه وفيما سبّبه الإحسان .
كما أنّ المالك إذا لم يكن راضياً بتصرّف في ماله - وإن كان ذاك التصرّف لولا كراهة المالك إحساناً ، ولكنّه بكراهته يكون إساءةً له .
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 150
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص١٥٠