ورابعاً : أنّ قياس الألفاظ بالإشارات غير صحيح جدّاً ؛ فإنّ قبح المعنى أو حسنه يسري إلى اللفظ بخلاف الإشارة ، فلا سراية فيها .
فمسلك العلاميّة غير قابل للاعتماد .
فتبيّن إلى هنا عدم صحّة جميع المسالك المذكورة إلّاما ذهب إليه المشهور « 1 » ؛ من أنّ الوضع عبارة عن تعيين اللفظ للدلالة على المعنى ؛ بمعنى أنّ الواضع قد جعل اللفظ للدلالة على المعنى ، ولا يرد عليه شيء ممّا أوردناه على المسالك الاخر ، وذلك يتّضح بعد بيان نكات :
الأولى : قد مرّ آنفاً أنّ ظرف تحقّق الوضع عبارة عن الخارج ، فما لميتحقّق في الخارج شيء لم يتحقّق الوضع أصلًا ؛ فإنّ صرف الاعتبار الذهني بين اللفظ والمعنى ، أو التعهّد ، أو اعتبار التنزيل لا يفيد شيئاً أصلًا ، فنحن نرى دائماً أنّ الشخص لو لم يذكر أو لم يستعمل اللفظ في الخارج لم يتحقّق الوضع أصلًا ، فهو محتاج إلى الخارج ومتحقّق فيه ولو بنفس الاستعمال ، فتدبّر .
ثمّ بعد تحقّقه في الخارج يمكن أن ينتقل إلى المعنى بنفس تصوّر اللفظ . نعم ، يكون الاعتبار من المبادئ المتوقّف عليها الوضع ، ولكنّه خارج عن حقيقته ، بل في الخارج يذكر اللفظ للدلالة على المعنى ، ومن أجل هذا يمكن انتزاع العناوين المتعدّدة من قبيل التعهّد والتنزيل والملازمة منها ، فمنشأ الانتزاع يكون من الأمور الخارجيّة .
الثانية : أنّ مقام الوضع غير مقام الاستعمال ، ففي الثاني يكون اللفظ فانياً في المعنى أو علامة له ، بخلاف الأوّل ، ففيه يتصوّر اللفظ مستقلّاً كما يتصوّر المعنى مستقلّاً أيضاً ، فما ذكره المحقّق العراقي « 2 » من أنّ اللفظ مرآة للمعنى ، وبهذا يفترق عن
هامش
( 1 ) تقدّم في ص 152 .
( 2 ) مقالات الأصول 1 : 61 - 62 .