تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدولة الاسلامية (شرح لعهد الإمام علي ع إلى مالك الأشتر النخعي) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤

الوفاء بالعهد

يعتبر الوفاء بالعهد والالتزام بالوعود من أعظم الفضائل الإنسانية من وجهة نظر الإسلام ، وقد ورد التأكيد على أنّ الوفاء بالعهد من عرى الإيمان ، وأنّ نقضه يسلب الدين والإيمان ، كما صرّح بذلك القرآن والروايات « 1 » . ولا يقتصر هذا المبدأ على الروابط المحلّية بين المسلمين فحسب ، بل على المسلمين أن ينتهجوه حيال الكفّار والأجانب : « وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً ، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً ، فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالأَمَانَةِ ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَيْءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً ، مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ وَتَشَتُّتِ آرَائِهِمْ ، مِنْ تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ ، وَقَدْ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ ، فَلاتَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ ، وَلَا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ ، وَلَا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ ، فَإِنَّهُ لَايَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ إِلّا جَاهِلٌ شَقِيٌّ . وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ ، وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ ، وَيَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ ، فَلا إِدْغَالَ وَلَا مُدَالَسَةَ « 2 » وَلَا خِدَاعَ فِيهِ . وَلَا تَعْقِدْ عَقْداً تُجَوِّزُ فِيهِ
هامش
( 1 ) . سأل أبو مالك الإمام السجاد عليه السلام : أخبرني بجميع شرائع الدِّين ، قال : قول الحقّ ، والحكم بالعدل ، والوفاء بالعهد . الخصال : 113 ح 90 ، مستدرك الوسائل : 11 / 316 ، كتاب الجهاد باب وجوب العدل ح 1 . ( 2 ) . إذا كان اللفظ له معنيان والمتكلِّم يقصد المعنى الثاني ، فهذا النوع من الكلام يقال له : التورية . إنّنا نقرأ في التاريخ عن سعيد بن جبير أحد أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، دخل مكرهاً إلى قصر الحجّاج بن يوسف الثقفي ، فسأله الحجّاج : ما تقول فيَّ ؟ فقال سعيد : قاسط عادل ، فقال الحاضرون : ما أحسن ما قال ! ظنّوا أنّه وصفه بالقسط والعدل ، قال الحجّاج : يا جَهَلَة سمّاني مشركاً ظالماً ، ثمّ تلا : « وأمّا القاسطون فكانوا لجهنّمَ حطباً » . وقصده من كلمة « عادل » هو العدول عن الحقّ . وفي مواضع أُخرى عندما أمر هارون الرشيد بقتل البرامكة أيّام حكومته ، حضرت لديه امرأة من البرامكة تطلب منه المساعدة ، فأمر هارون بإعطائها ، وبعد أن أخذت المال قالت لهارون الرشيد : أقرّ اللَّه عينيك وفرّحك بما آتاك ، حكمتَ بالقسط والعدل . فسألها هارون : من أيّ قبيلةٍ أنتِ ؟ قالت : من البرامكة الذين أمرتَ بقتل رجالهم . وبعد أن انصرفت قال هارون للحاضرين : إنّ هذه المرأة كانت تقصد سوءً بكلامها ، فهي تقصد من قولها : « أقرّ » أي استقرّت عيناك وعميت ، ومن قولها : « فرّحك » أي إشارة إلى الآية النازلة بخصوص هذه الدُّنيا ، ومن قولها : « بالقسط » أي الآية « وأمّا القاسطون فكانوا لجهنّم حطباً » ، ومن قولها : « والعدل » أي العدول عن الحقّ والحقيقة . انظر فيض القدير شرح الجامع الصغير : 2 / 599 .
الدولة الاسلامية (شرح لعهد الإمام علي ع إلى مالك الأشتر النخعي) — صفحة 154 | الشيخ فاضل اللنكراني / مركز فقه الأئمة الأطهار ( ع )