الخامس : أنّ قوله عليه السلام في ذيل الصحيحة : « وإنّما ينقضه بيقين آخر » وإن كان ظاهراً في جعل الحكم ، إلّاأنّ هذا الظاهر لا يكون مراداً ، ضرورة امتناع جعل إيجاب العمل على طبق اليقين ، فإنّه بمنزلة جعل الحجّيّة والكاشفيّة له ، فلا محالة تكون هذه الجملة لتعيين الغاية للحكم المتقدّم ، فيكون تأكيداً لاستمرار الحكم إلى زمان يقين آخر ، فيفهم عرفاً من هذه الغاية أنّ المتكلِّم اعتبر ثلاثة أمور : اليقين السابق ، والشكّ المستمرّ ، واليقين المتأخّر ، فقال : إنّ حكم اليقين بالأمر السابق مستمرّ في زمان الشكّ ولا يرفع اليد عنه إلى زمان اليقين بخلافه ، وأمّا تقدير اليقين في ظرف الشكّ فلا يساعد عليه فهم العرف عند ملاحظة الرواية ، ويؤيّده أنّه لو اعتبر في ظرف الشكّ يقيناً غير ما تعلّق بالحالة السابقة لقال في الذيل : « وإنّما ينقضه بيقين ثالث » مكان « بيقين آخر » .
وبالجملة : إنّ التأمّل في الصحيحة صدراً وذيلًا ممّا يشرف الفقيه بالقطع بأنّ اليقين في الكبرى هو اليقين المحقّق الفعلي المتعلّق بالشيء في الزمان السابق ، لا المقدّر المفروض في زمان الشكّ « 1 » .
هذا ما أورده الإمام « مدّ ظلّه » على المحقّق الهمداني رحمه الله مع توضيح منّا في بعض فقراته .
لكن يمكن المناقشة في الإيراد الأوّل بعدم تسليم صحّة إسناد النقض عند العرف إلى اليقين المتعلّق بالحالة السابقة .
وفي الإيراد الرابع بأنّه خلط بين الحكم والموضوع ، فإنّ تقدير اليقين في تمام ظرف الشكّ يوجب استمرار الموضوع ، وهو « نقض اليقين بالشكّ » ، وقوله :
« أبداً » جيء به لتأبيد الحكم لا لتأبيد الموضوع ، أي « نقض هذا اليقين المعتبر
هامش
( 1 ) الرسائل ، مبحث الاستصحاب : 91 .