أدلّة التخيير كان شاكّاً في أصل الوظيفة وأنّه لدى تعارض الخبرين المتعادلين ما ذا يصنع ؟ فإذا أجيب بأنّه مخيّر في الأخذ بأحدهما ينشأ له شكّ آخر في كيفيّة التخيير وأنّه دائمي أم لا ؟ وهذا موضوع آخر وشكّ ثانٍ مسكوت عنه في أدلّة التخيير سؤالًا وجواباً .
وبالجملة : تكون روايات التخيير في مقام بيان أصل الوظيفة ، لا كيفيّتها « 1 » .
هذا حاصل ما أفاده الشيخ الأنصاري رحمه الله في المقام .
نقد كلام الشيخ رحمه الله من قبل الإمام الخميني
« مدّ ظلّه »
وأجاب عنه سيّدنا الأستاذ الأعظم الإمام « مدّ ظلّه » بأنّ في روايات التخيير خبرين يستفاد منهما استمرار التخيير :
أحدهما : ما روي مرسلًا عن الحسن بن الجهم عن الرضا عليه السلام قال : قلت :
يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا نعلم أيّهما الحقّ ، قال : « فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت » « 2 » فإنّه عليه السلام جعل موضوع التوسعة والتخيير عدم العلم بحقّيّة أحدهما ، ومعلوم أنّ المكلّف بعد الأخذ بأحدهما أيضاً لا يعلم الحقّ منهما ، إذ لا يعقل أن يُعدم الحكم موضوع نفسه « 3 » .
هامش
( 1 ) فرائد الأصول 4 : 43 .
( 2 ) وسائل الشيعة 27 : 121 ، كتاب القضاء ، الباب 9 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 40 .
( 3 ) توضيحه : أنّ تكرار عدم العلم في كلام الإمام عليه السلام بعد كونه مذكوراً في كلام السائل دليل على أنّه تمام الموضوع للحكم بالتخيير ، إذ لو لم يكن ذكره لهذه العناية لاكتفى بذكره في كلام السائل ولم يكرّره هو عليه السلام ، فسؤال السائل وإن كان من جهة الشكّ في أصل الوظيفة ، إلّاأنّ الجواب بإطلاقه يشتمل على الوظيفة وعلى كيفيّتها .
وهذا على ما ذهبنا إليه من كون التخيير المستفاد من أخبار العلاج من قبيل الأصل العملي ، واضح ، لأنّ موضوع الأصول العمليّة كلّها عدم العلم والتحيّر في الحكم الواقعي ، ولا ريب في أنّ المكلّف بعد الأخذ بإحدى الروايتين أيضاً لا يعلم الواقع .
وهكذا على ما ذهب إليه سيّدنا الأستاذ « مدّ ظلّه » من أنّ التخيير في كلام الشارع تخطئة لبناء العقلاء على تساقط المتعارضين وحكم بالتخيير عند عدم العلم ، فإنّ المكلّف بعد الأخذ بأحدهما في الواقعة الأولى غير عالم أيضاً بأنّ أيّهما حقّ ، وهو موضوع التوسعة والتخيير في رواية الحسن بن الجهم .
فاستفادة الاستمرار واضحة على المذهبين ، وإن كانت على مذهبنا أوضح . منه مدّ ظلّه .