فعلى الإطلاق اللحاظي - الذي اختاره صاحب الكفاية - فلابدّ من القول بالتخيير ، فإنّ الشارع إذا قال : « صدّق العادل » ولاحظ أفراد خبر العادل يكون قوله هذا حكماً بحجّيّة كلّ ما كان مصداقاً لخبر العادل ، فإذا تعارض الخبران فإن قلنا بلزوم العمل على طبق كلّ منهما في هذا الحال أيضاً فهو تكليف بما لا يطاق ، وإن قلنا بأنّا متعبّدون بصدورهما لا بالعمل بهما ، فنطرح كليهما عملًا ، فهذا التعبّد بلا طائل ، وإن قلنا بتساقطهما ففساده أظهر من سابقه ، لأنّ حجّيّتهما بمقتضى دليل اعتبارهما ثمّ تساقطهما صدوراً ودلالةً ، لا تعقل ، فالعقل يحكم بالتخيير بينهما ، لأنّه مقتضى حجّيّتهما وعدم إمكان العمل بكليهما .
وأمّا على الإطلاق الذاتي - الذي نحن نقول به - فيمكن أن يقال بأنّ مقتضى القاعدة هو التخيير أيضاً ، لا التساقط ، لأنّ التصرّف في دليل الاعتبار لابدّ من أن يتقدّر بقدر الحاجة والضرورة « 1 » ، فإذا دار الأمر بين رفع اليد عن دليل الاعتبار بالنسبة إلى حال التعارض مطلقاً حتّى تصير النتيجة عدم حجّيّة كلا المتعارضين أو رفع اليد عن كلّ منهما حال الإتيان بالآخر ، كان الثاني أولى ، ونتيجته هي التخيير ، كما في باب التزاحم .
الفرق بين بابي التزاحم والتعارض
ولكن يرد عليه أنّ التكليف في باب التزاحم نفسي بالنسبة إلى كلا المتزاحمين ، فإذا قال : « أنقذ الغريق » كان نفس إنقاذ كلّ غريق ذا مصلحة ملزمة ، والعقل يحكم عند التزاحم بالتخيير .
هامش
( 1 ) فإنّ الضرورات تتقدّر بقدرها . م ح - ى .