وبالجملة : إنّ المانع من جريان الاستصحاب في صورة التعارض هو إطلاق دليله ، لا أصله ، فلا ملزم لطرحه بالكلّيّة والقول بالتساقط ، بل يكفي رفع اليد من إطلاقه ، وهو معنى التخيير .
وفيه أوّلًا : أنّ ما نحن فيه من موارد العلم الإجمالي ، لأنّا نعلم بانتقاض الحالة السابقة في أحد المستصحبين إجمالًا ، ويمكن من بداية الأمر دعوى عدم تحقّق الإطلاق في دليل الاستصحاب بحيث يعمّ أطراف العلم الإجمالي - لعدم إحراز مقدّمات الحكمة هاهنا التي منها كون المتكلّم في مقام البيان - سيّما إذا كان شموله لها مستلزماً للمخالفة القطعيّة ، بخلاف باب التزاحم الذي ليس من موارد العلم الإجمالي ، فلا يصحّ قياس المقام به .
وثانياً : أنّا لا نسلّم أن يكون التخيير في باب التزاحم نظير التخيير الشرعي من جميع الجهات ، غير أنّ الفرق بينهما في عقليّة التخيير وشرعيّته فقط ، لأنّ المكلّف إن عصى في الواجب التخييري لا يستحقّ إلّاعقوبة واحدة ، بخلاف باب التزاحم ، فإنّه لو لم ينقذ زيداً ولا عمراً لاستحقّ عقابين .
إن قلت : كيف يستحقّ عقابين مع عدم قدرته على إنقاذ كليهما ؟ !
قلت : قوله : « أنقذ الغريق » يشمل كلًاّ منهما ، فهو مكلّف بإنقاذ كليهما ، إلّاأنّه إذا صرف قدرته في إنقاذ أحدهما كان في مخالفة التكليف بالنسبة إلى الآخر معذوراً عقلًا ، وأمّا إن لم يصرف قدرته أصلًا فلا عذر له في المخالفة ، فإنّ المولى يمكن أن يحتجّ عليه بأنّك كنت مكلّفاً بإنقاذ زيد ولا عذر لك في المخالفة ، وأيضاً كنت مكلّفاً بإنقاذ عمرو ولا عذر لك في المخالفة ، وذلك لأنّك لم تصرف قدرتك في أحدهما حتّى تكون عاجزاً بالنسبة إلى الآخر ، فتكون معذوراً .
أصول الشيعه لإستنباط أحكام الشريعة — صفحة 371
مساهمون: محمد حسين يوسفى گنابادى
ص٣٧١