وذلك لأنّ الدليل على البراءة الشرعيّة هو حديث الرفع ، وهذا الحديث لا يصلح لأن يتمسّك به هاهنا إلّابأحد وجوه ثلاثة :
أ - أن يرفع به الوجوب النفسي المتعلّق بالأكثر ، فإنّه ممّا لا يعلم ، فيرفعه حديث الرفع .
ب - أن يرفع به الحكم الوضعي ، أعني الجزئيّة ، كجزئيّة السورة للصلاة ، فإنّها مشكوكة فرضاً ، فيرفعها الحديث .
ج - أن يرفع به الوجوب الغيري المتعلّق بالجزء المشكوك ، فإنّه أيضاً ممّا لا يعلم ، فيعمّه الحديث .
نقد الوجوه المتصوّرة في جريان حديث الرفع في المقام
لكن كلّ هذه الوجوه باطلة .
أمّا الأوّل : فلأنّه معارض بجريان أصالة البراءة الشرعيّة بالنسبة إلى الوجوب النفسي المتعلّق بالأقلّ ، فإنّه كما كان الوجوب النفسي المتعلّق بالأكثر ممّا لا يعلم ، فكذلك الوجوب النفسي المتعلّق بالأقلّ ، وحيث لا يمكن جريان الحديث في كليهما للزوم المخالفة القطعيّة العمليّة للتكليف المعلوم تعارض الأصلان ، فلا يجري الأصل ، لا في ناحية الأكثر ولا في ناحية الأقلّ .
لا يقال : أصل الوجوب في الأقلّ - مع قطع النظر عن كونه نفسيّاً أو غيريّاً - متيقّن ، لأنّه لا يخلو من أن يكون واجباً نفسيّاً أو غيريّاً ، فأصل الوجوب فيه معلوم ، فلا مجال لجريان البراءة فيه ، ولكنّه في الأكثر مشكوك فيه ، فالحديث يعمّه ويرفعه بلا معارض .
فإنّه يقال : أصل الوجوب ليس مجعولًا شرعيّاً ، بل المجعول من قبل الشارع خصوص الوجوب النفسي أو الغيري ، ولكن أصل الوجوب جامع انتزاعي